توضيح المراد من معاني الاجتهاد
الجزء ١ · صفحة ٢٤1
2
مقدمة
لا يخفى على العاقل أن أمنع الموانع الصادَّة عن نيل كل خير وشرف، وأن اقوى الذرائع الدافعة عن ارتقاء معارج السعادة والوقوف على منابر المجد، هي الخواطر النفسية، التي تقف في وجه العزم حجر عثرة لصدّه، وهوة رد لقصده، حتى لا يرقى مدارج الكمال، ويلتحق بعباقرة الرجال، وهي التي لا تزال تناديه إذا أقدم: ويلك، لا تدخل مداخل يعسر عليك الولوج فيها، ويشق عليك الخروج منها، وبالخصوص في المناهج العلمية والمعارج الدينية، فإن ذلك من طبع الأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، وإذا أراد المرء إنشاء مقالة علمية مقتفياً فيها قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إنّ المداد في ثوب أحدكم إذا كان يكتب علما كالمتشحط بدمه في سبيل الله) نازعته في ذلك متذرعة بأنك ضعيف العلم في الفن النحوي، قليل الزاد في العلم البياني، ضئيل الكسب في المقام الأصولي، لا جواب لك إذا نوقشت عن الدقائق، ولا حجة عندك إذا عورضت في تمهيد الحقائق، ولا برهان معك إذا قامت عليك نقدة العلماء، ولا دليل لديك إذا اشتدت عليك شوكة المتضلعين، فلا تعرض نفسك في مقام قد ينادى فيه عليك عند الامتحان يكرم المرء أو يهان"، فإكرامك مظنون، وما أظنك تدركه، وإهانتك منتظرة، وما إخالك تنجو منها، فأولى لك الوقوف، قبل أن تتألب عليك الصفوف، والأليق بك التجنب قبل أن يشتد عليك متغلّب أو متعصب، فبهذا، وأمثاله تنكص النفس المحرومة من الخير، وبذاك وأضرابه تقبع الحياة الإنسانية عن اكتساب الشرف والارتقاء لأعلى القبب وأرفع المراتب العالية وأسمى الغرف، ولم ينفعها قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إذا لم تحفظ فاستعمل يدك)، وقوله صلى الله عليه وسلم (العلم صيد والكتابة قيد … ) الخ.
ولا يخفى على العاقل الخبير والفطن البصير أن نشأة العلم كغيرها من سائر النشئات التي اقتضت حكمة الحكيم القدير إيجادها ووجودها قليلا قليلا، ولقد أشار إلى ذلك العزيز الجليل في كتابه الكريم في عدة آيات. وأتى لمن أطاع أمارته أن يتقدم، وقد أصبح طوع قيادها المحكم وأمرها المبرم، ولقد قال القائل:
ولم أجد الإنسان إلا ابن
فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا
مسند الإمام الربيع الإمام أبو عمرو الربيع بن حبيب الفراهيدي، دار الفتح، بيروت، رقم 27
لم أجد الحديثين
1333
23