تاريخ إفريقيا الشمالية: تونس، الجزائر، المغرب الأقصى من البدء إلى الفتح الإسلامي 647م شارل أندري جوليان

تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..

الجزء ١ · صفحة ١٣

ش. جوليان

بالمتيجة دون الجهات الغربية والجنوبية، بفضل الوثبة الفنية التي مكنها منها يوبا والإدارة الرومانية. وقد تمتعت هذه المدينة بهيبة عظيمة طيلة أربعة قرون.

ولم يشعر الوندال ولا البيزنطيون بضرورة تأسيس مدن أخرى. أما الغزاة فقد أرادوا بالعكس بناء معسكر يستعملونه قاعدة لمواصلة غزوهم. فبنوا القيروان من لا شيء في قلب البلاد التونسية بالسباسب بين البحر والجبال. واندثرت قرطاج أثناء المحنة، لكن الحضارة التي كانت تمثلها بقيت فبالقرب منها وعلى أنقاض مدينة توناس (Tunés) العتيقة ازدهرت مدينة تونس الجديدة، فعلا شأنها علوا كبيرا في القرن الثامن بفضل موقعها في نهاية بحيرتها وفي مأمن من الهجومات البحرية.

وقد شاءت الدول التي قد يطول عمرها أو يقصر والتي تساوقها تاريخ المغرب في القرون الوسطى أن تؤسس عواصم خاصة بها تأكيدا لوجودها الذاتي فهي إما أحيت مدينة كانت موجودة من قبل أو اختارت مكانا بكرا حيث خططوا ما طاب لهم أن يخططوا. غير أن مصير هذه المدن لم يمكن دائما قدر واحد من الإشراق. فتلمسان مدينة بوماريا (Pomaria) العتيقة التي جددها الأدارسة والمرابطون وعاصمة بني عبد الواد وبني مرين (من القرن الثالث عشر إلى الخامس عشر (والتي ظلت زمنا طويلا أكبر مدينة في الجزائر الغربية تنازلت لفائدة (Présidio زعامة وهران القديمة ولم تبق من عاصمتي بني حماد: بجاية والقالة إلا مدينة صغيرة نيطت إلى منحدرات جميلة الموقع بالنسبة للأولى (القرن الحادي عشر وأطلال متداعية مشرفة على مهواها بالنسبة للثانية وأصبحت تاهرت الرستمية أو الاشير الصنهاجية مجرد ذكريات. ولم تعد المدن تستمد أسباب وجودها وبقائها حيث حدود السباسب أو التل، فالمركز التجاري البونيقي الذي أصبح فيما بعد ايكوزيوم (cosium) الرومانية ثم الجزائر العاصمة التركية هو الآن الجزائر الفرنسية أي المدينة الرئيسية لبلاد الجزائر كلها.

4 - تاريخ قبائل:

لم تعرف بلاد البربر قط عاصمة قارة نهائية. ولم يتح لها البتة أن تحقق وحدتها حول عاصمة ما. وقد علل الباحثون ذلك بالتجزؤ الجغرافي وصعوبة الموصلات وانعدام الأودية الواصلة بعضها إلى بعض وعدم صلاحية الأنهار وعداء البحر، وقلة الأراضي النافعة. كما عللوه بانعدام مركز طبيعي يفرضه وضعها الجغرافي. ولربما يجب أكثر من ذلك أن نذهب مذهب أ. ف. قوتية الذي يلاحظ سرعة الغزوات وقلة ثباتها في نفس الوقت. فنحمل المسؤولية على الصراع الدائم بين البدو والحضر الذي لم ينته بفوز واحد على

؛ تاريخ شمال إفريقيا

الآخر فإن هذه الثنائية التي تعذر القضاء عليها هي التي تعلل في الظاهر كيف أن بلاد البربر كان لها دائما "أسياد أجانب"، ولعله من الواجب أيضا أن نأخذ بعين الاعتبار أكثر مما اعتاده الباحثون الخلافات التي تجد بين أهل الجبال وأهل السهول، وهي خلافات يقويها بطبيعة الحال تجزء البلاد.

والذي يدرس بلاد المغرب لا يجد ممالك تتسع شيئا فشيئا إلى أن يعم سلطانها البلاد قاطبة، بل قبائل يوحدها زعيم جريء تؤسس ملكا بفضل غزوة جبارة، ثم تنهار تحت ضربات كتلة أخرى من القبائل فليست المدينة أو التراب بالمقومين للوحدة الأساسية إنما المقوم هو القبيلة منفردة كانت أو متحدة مع جاراتها. ولا نعرف عن الحياة الداخلية لهذه القبائل شيئا يذكر، وأحيانا نجهل حتى وجودها. لذلك ليس شيء أدعى إلى خيبة الظن من تاريخ المغرب هذا الخالي من التواريخ المضبوطة والمكتوب بضربات السيوف. ولا مهرب للباحث مهما حاول من الاكتفاء بتاريخ الوقائع الحربية بسبب فقدان الوثائق. وإذن فهو معذور على غرار الشيخ سيلان إذا هو ترك إلى حد ما العنان لحماره عندما اعترضته شوارع جديدة. ولم يتمخض عن أحلاف القبائل شيء دائم بالرغم عن أن بعض الملوك الأصيلين كانوا مرموقين. والحال أن الأهالي كانوا يعلمون أنهم شعب واحد بما أنهم يطلقون على أنفسهم اسما واحدا وكاد البربر في مرتين اثنتين أن يحققوا بوسائلهم الخاصة وحدة المغرب الأولى في عهد العاهل) أغليد) مسينسا في القرن الثاني قبل المسيح والثانية في عهد الدولة الصنهاجية في القرن الحادي عشر بعد المسيح وأخفقت هاتان التجربتان بمشيئة رومة الاستعمارية وبسبب زحف بني هلال. فاستنتج الباحثون من ذلك أن نجاح الوحدة مستحيل والحال أن البربري أبعد من أن يمثل نموذجا بشريا منقوصا، بل إنه أكثر من ذلك برز في شخصيات ممتازة ولكن بعضهم أكد أن هذا "الجنس المتمتع بحيوية لا تنضب ليست له شخصية إيجابية " وأنه يكتفي حتى في أبسط الأشياء بدور " الظل الأبدي" وأن المشكلة التاريخية ترجع إلى معرفة كيف "أن الخيبة المطلقة كانت نتيجة لتسلسل خيبات محدودة" (أ. ف. فوتية).

لقد رأينا أن البربري لم يصب بنقص جنسي، ولكن لعنة جغرافية نزلت عليه. لقد كتب أ. ف. قوتية في قوته المعهودة: إن مدينة مستقلة بذاتها وفنا وأدبا وحتى لغة وشعبا شاعرا بوجوده ودولة منظمة هذه كلها كماليات باهضة جدا رأسمالية، والمغرب لم يستطيع قط التحصيل عليها بمفرده. فهذه البلاد الصغيرة لم يكن لها الجهاز المادي الضروري لتقيم البنيان الاجتماعي والسياسي الذي هو أساس كل مدينة".

ليكن ذلك. لكن هل يجب أن نستنتج من خيبة المحاولات حتمية الخيبة، وفي هذه

25

24