تاريخ إفريقيا الشمالية: تونس، الجزائر، المغرب الأقصى من البدء إلى الفتح الإسلامي 647م شارل أندري جوليان

تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..

الجزء ١ · صفحة ١٢

ش. جوليان

أن

الأقصى" على حد تعبير الماريشال ليوتي. ولئن اتخذ الشمال مدينة فاس عاصمة له، فإن الجنوب جسم طموحه وكبرياءه بإنشاء مراكش. وهذه المدينة التي أسسها ابن تاشفين سنة 1062 لتكون قاعدة تنطلق منها حملات المرابطين رجال الصحراء على البدع التي دخلت الإسلام أصبحت عاصمة للدول التي بسطت نفوذها على أقصى الجنوب المغربي وظلت ثغر الأطلس الأعلى المتحسس أصداء الصحراء، والمستودع الكبير للواحات والجبال. ولا شك أن دورها كمركز توزيع سيزداد أهمية في المستقبل إلى حد أصبح تموينها اليوم بمثابة فريسة مغرية أخذت مواني المحيط الأطلسي تتنازعها بعد. وستسيطر على شبكة من الطرق المؤدية "أولاها إلى أغادير مارة بايمنتقوت وتزي نماشو وثانيتها نحو تارودانت مارة بالغندافة وتيزنتست، والثالثة نحو الذراع مارة بالقلاوة وتزي نوتلوات" (ج سيليريي (وجعل الاحتلال الفرنسي من ميناء الدار البيضاء، وهو منفذ للشاوية ومركز تزود في طريق إفريقيا الغربية، العاصمة التجارية للمغرب الأقصى. كما جعل من الرباط التي أفل نجمها بعد ازدهارها في عصر الموحدين العاصمة الإدارية ولكنها بقيت رغم ذلك مدينة "المخزن" الوحيدة المتصلة بالمحيط.

وقد كان للمغرب الأقصى عاصمتان كبيرتان متطرفتان ولم تكن له أبدا عاصمة وسطى، اللهم إلا مدينة أوداية الأسطوية والبلدة العظيمة الموجودة في تدلا والتي يروى أن المرابطين دمروها. ولعله من الضروري كما بينه. أ. ف. فوثيه (E.F Gautier) أن تشاد بهذه البقاع في وادي أكبر نهر بالمغرب الأقصى وهو أم الربيع، عاصمة المغرب الأقصى

الحقيقية.

3 - الجزائر وتونس

إذا أمكن أن نكتب تاريخا للمغرب الأقصى مستقلا بذاته فقد لا يمكن فصل الجزائر وتونس بعضهما عن بعض، وهما قطران لا يوجد بينهما حواجز طبيعية، وقد خضعا لنفس الضرورات.

وقد ألح أميل فليكس فوتيه Gautier . تأكيدا بالغا منذ ما يزيد عن ربع القرن في خصوص التضارب الظاهر من حيث الظروف التاريخية وأساليب العيش بين الجهتين اللتين يفصلهما ما سماه " سلسلة خط الدفاع" (Limes) أي القوس الجبلي العظيم الذي يكتنف الجزائر من الورشنيس إلى الأوراس. غير أنه يتعذر علينا "والحق يقال" أن نذهب مذهبه. ذلك أن بحثا أكثر دقة حول "خط الدفاع " هذا أظهر انه لا يطابق الجبال إلا في ثلث المسافة على الأكثر. فلا يتصور بالأحرى كيف أن هذا الخط كان في أي عصر من عصور التاريخ حدودا قائمة.

تاريخ شمال إفريقيا

ويجب الاستنجاد بأسباب أخرى لتعليل تضارب صارخ في بعض الأحيان فقد بين "ج. ديبوا " (J. Despolis) أنه بفضل ما توفره مياه التل المتصل بلا انقطاع من "أومال" إلى القيروان من إمكانيات الري أمكن " لحاشية صحراوية طويلة "أن تفلت من سيطرة الصحراء فهذه الحاشية التي ترسم في اتجاه الجنوب حدود الحياة الحضرية التي لا نجدها فيما بعد إلا في الواحات المحظوظة وما تفرضه خطط الدفاع هو الذي يتحكم آخر الأمر في تنظيم خط الدفاع المتحدث عنه بينما لا يعرف البدوي من جهته حدا يقف عنده في ترحاله إلا العقبة الطبيعية التي لا يتمكن من تذليلها، ويمكن القول بأن انتشار البداوة خلال عصور التاريخ واسعا كان أم محدودا ظاهرة سياسية.

ا ظاهر منذ العـ

إن بلاد البربر عرفت بدون شك حياة الحضر منذ العصور الحجرية القديمة. ولا شك أيضا في أن حياة البداوة ترجع إلى عصور ما قبل التاريخ فحتى القرن الثاني بعد المسيح على الأقل لم يزل البربر تتنازعهم الحياة الفلاحية والحياة الرعوية. فلم تكن المدن طيلة دهور إلا فسائل فينيقية غرست في أرض إفريقيا، ولم تتعدد مراكز الأهالي مثل "سيرتة" (قسنطينة) إلا حينما أجبر ملوك نوميديا البدو على الاستقرار. لكن العواصم البربرية رغم أنها تحمل عنوان ريجيا (Regia) ليست إلا قرى متواضعة إذا هي قورنت بقرطاج التي أسسها الفينيقيون في أواخر القرن التاسع قبل المسيح في موقع بحري خارق للعادة هين الاتصال بالساحل والسباسب. ومنذ أن كانت مستودعا تجاريا إلى أن أصبحت عاصمة رومانية لم يزل إشعاعها متزايدا في ربوع المغرب. والتأثير البونيقي الذي استمر قرونا وقرونا لاح خاصة في تبسة وقالمة وقسنطينة وجهة عنابة. أما تأثير قرطاج الرومانية فإنه عم شيئا فشيئا المغرب كله. وقد أنشأ استعمار الإمبراطورية الرومانية عواصم أخرى إلى جانب قرطاج. ففي نوميديا حيث تحول البدو الرحل إلى فلاحين بفضل سياسة مسينسا الحازمة ورثت رومة عاصمته سيرتة وهي قلعة رائعة تحميها مهاو وعرة لكنها متصلة اتصالا يسيرا بمواني نوميديا ومدنها الكبرى. وأسس هذا الاستعمار أيضا في أواخر القرن الأول بعد المسيح موطن سطيفيس (Sitifis) الذي أصبح بعد قرنين أهم مدينة لمقاطعة موريطانيا السطيفية. وقد شيدت سطيف على سهل فسيح يفصله عن البحر جبل بابور في كانت سطيفيس أولا وبالذات سوقا ومدينة إدارية وفي عصر وضعتها السلم الرومانية في مأمن من الأخطار.

عصر

أما عاصمة موريطانيا فهي عاصمة يوبا الثاني القديمة وتسمى قيصارية (Caesarea) (شرشال) وكان الميناء المستند إلى جبل خاضع لسيطرة الأهالي متصلا اتصالا هينا

23

22

22