تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..
الجزء ١ · صفحة ٢٧1 - البربر:
| - مشكل الجنس:
مهما رجعنا إلى أوائل تاريخ إفريقيا الشمالية لاحظنا أن الأمور تجري كما لو أنه كتب على هذه البلاد أن تبقى قاصرة قصورا وراثيا عن التمتع باستقلالها. فلقد بقيت دائما خاضعة لمدنيات واردة من الخارج وفي بعض الأحيان اقترن مصير هذه المدنيات. فكان يجب أن نجد مبدئيا شعبا متعدد المقومات متغير الثمرات. ولكن الحقيقة غير ذلك. فسلطان الطبيعة هنا عظيم. والعبارة العربية "جزيرة المغرب" ليست من قبيل الاستعارة فحسب، بل هي تمثل هذا الميل إلى الدوام الذي تختص به الجزر. فالمدنيات المتتابعة التي طرأت من الخارج لم تكن بالنسبة إلى البربري إلا ثيابا متنوعة تستر جسدا وروحا لا يتغيران. زد على ذلك الجبال التي نمت في بلاد المغرب هذا الميل إلى المحافظة. ومدلول المدينة البربرية عندنا هي هذه المجموعة من التقاليد والعادات والأخلاق والنظم التي وجدت خالصة أو مشوبة في كل العصور بقطع النظر عن صروف التاريخ. فهي مظاهر قارة لعقلية ثبتت أمام مشاكل سياسية أو دينية، و هي بعبارة أخرى محصول بحث سوسيولوجي لم يكتمل من سوء الحظ، وستصبح عن قريب مواصلته مستحيلة
فهذا الحد السوسيولوجي للبربري، مهما أعوزه الوضوح والدقة، هو الحد المرضي الوحيد، وهو وحده الذي يعبر عن الخصائص المشتركة للسكان الموجودين في شمال القارة الإفريقية من طرابلس إلى المحيط الأطلسي. ورغم اختلاف طرق العيش اختلافا واضحا جدا في الحاضر والماضي فإننا نلمس في كل هذه القطعة من أوروبا المشدودة إلى إفريقيا العناصر الطريفة لوحدة بشرية عظيمة.
ولا شك أن هذه الوحدة قد ظهرت قديما في ميدان اللغة، وقد لا يكون ذلك باستعمال لغة واحدة في بلاد البربر كلها، بل في أغلب الظن باستعمال لهجات متقاربة تكون مجموعتها المسماة اصطلاحيا الليبية فرعا من فروع أسرة حام، و هي مصدر اللهجات البربرية الحالية. غير أن هذه المجموعة التي هددتها لغات مدنيات أخرى تصدعت وتفرقت
53