تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..
الجزء ١ · صفحة ٣١ش. جوليان
وتحمل الآثار صورا تمثل المعارك التي شنها على الليبيين ملوك الأسرة الخامسة بمنف للقضاء على الاضطرابات التي سبقت توليهم الحكم. وذلك حوالي سنة 2600. وقد كانت هذه المعارك حاسمة إذ يبدو أن الليبيين لم يهددوا مصر حتى آخر الإمبراطورية الوسطى. وبعدما صد رمسيس الثاني أحد هجوماتهم جندهم لمواجهة خطر الحتيين (أوائل القرن الثالث عشر) ووجدهم ابنه منوفتاح Moneta) ضمن اتحاد شعوب البحر العظيم وهو رد فعل ضد التوسع الهندي الأوروبي - وقد تحالف اللوبيون أو الليبيون مع قراصنة الشمال الليسيين وسردان سادره أهل سغلوس (Sagalos) وترسين أهل لمنوس والأخائيين فكانوا أغلبية الجيش الذي هاجم الدلتا بدون نتيجة (1227). وقد يكون أصل هؤلاء اللوبيين من الأطلس فقد لوحظ أن أسمائهم وأسماء قوادهم تذكر بالضبط أسماء النوميديين الوارد ذكرهم في التاريخ المألوف. More) . ومهما يكن من أمر فهم الذين أطلق اسمهم على ليبيا ولعبوا في تاريخ مصر، فيما بعد، دورا رئيسيا متزعمين كتلة غير منسجمة من التهانو (Teheno) والهنديين الأوروبيين. وفي آخر الأمر اضطر رمسيس الثالث حوالي سنة 1189 ق م رغم انتصاره عليهم غرب "منف" أن ينزلهم في "عشرات الآلاف" بالدلتا حيث سخروا من مراقبته.
واستغل أحد القواد الليبيين المرتزقة الفوضى التي تبعت ذلك فبسط نفوذه على هرقلة (Hierakléopolis) في مصر الوسطى (Moyenne Egypte). وغزا خليفته السابع شيشونق الأول (Sheshon الدلتا وقسم الأرض بين الليبيين وأسس الأسرة الثانية والعشرين (950) ق م ويصور لنا الفن الشعبي الأول مرة مجتمعا شغوفا بالمعارك مخالفا تمام المخالفة للمجتمع المصري. وخلافا لما اعتقد المؤرخون طويلا فإن أحفاد رسل الإله أمون القدامى ليسوا هم الذين أسسوا مملكة نباظه (Napata) التي اتسعت رقعتها في أواخر القرن الثامن من الشلال الأول إلى الحبشة. وأثبتت حفريات رينا (Reisner) أن الليبيين هم الذين بسطوا نفوذهم على أرض "الكوش" كما فعل ليبيو الشمال بالنسبة للدلتا. لقد كانوا فرسانا متحمسين لجيادهم لا سائقي عربات كالفراعنة. ولم يوجد أطوع لتعاليم أمون وكهنته من هؤلاء الأجانب المستوطنين بمصر. ولاشك أن المدينة المصرية أشعت بواسطتهم على الليبيين الغربيين وربما بلغت أنوارها المترامية أقصى غرب إفريقيا.
3 - العلاقات مع العالم الإيجي والفينيقي واليوناني:
إن معلوماتنا حول علاقات الليبيين مع العالم الإيجي أقل من معلوماتنا حول علاقات الليبيين مع مصر، ويعتبر أ. ايفانس (ans) أن اتصال الليبيين بالعالم الإيجي
؛ تاريخ شمال إفريقيا
غير مستبعد. وتروي إحدى الأساطير أن كوروبيوس الإقريطي قذفت به العاصفة إلى ساحل ليبيا فرجع إلى جزيرته ربانا. وكان أسطول مينوس (Minos) يتزود في ليبيا من القريني (Cyrenaique) بلا شك بنبات السلفيون (Silion) الذي كان يجني لطيب رائحته ومنافعه الطبية. ولا بد أن إمبراطورية البحار الإقريطية أدت إلى تأسيس مراكز تجارية على الساحل الإفريقي منها تكون مدينة مينوس (minoenne) قد أشعت؛ ودليل ذلك قد نجده في الرسم الذي أزدان به أحد جوانب قبر محفور في صخرة قائمة (حانوت جمع حوانيت في جهة مقنة (بين باجة وطبرقة بالشمال التونسي). ويستدل سولينياك على وجود علاقات بين الشمال الشرقي لبلاد البربر و"ايجه " قبل مجيء الفينيقيين بمشهد بحري غرضه الأساسي مركب عديم الارتفاع على سطح الماء (bas sur l'eau له صار مركزي وشراع شكله شبه منحرف كما يستدل أيضا بأشخاص هذا المشهد، ولعل هذه العلاقات هي التي تلقي الأضواء على تأسيس مدينة مشالة (Meschela) التي ينسبها ديودرس الصقلي إلى اليونان عند عودتهم من طروادة وعلى كيفية حفر الحوانيت. إلا أن "أ. بوتيا" يبدي تحفظات إزاء هذه النظرية، ويكتفي " كلوتز" بالاعتراف بأن الصور المرسومة على جدران الحوانيت تشبه صورا أخرى اكتشفت في دلف (Delphes) كما يكتفي " قزيل " St sell في حذره المعتاد بأن يؤكد أنها ليست فينيقية ولا رومانية.
أما المؤثرات الإيجية التي قد تشهد بها الآنية الخزفية البربرية الحالية، فإنها لا تزال مجرد احتمالات بالنسبة للمستوى الحالي لمعارفنا. وقد ظهر التأثير الفينيقي الثاني منذ القرن الثاني عشر وأصبحت له خطورته في قرطاج التي سيطرت طيلة ألف سنة على تاريخ بلاد المغرب. ودراسة هذا التأثير تتصل بتاريخ العاصمة البونيقية. وتروي نصوص عديدة، لا نطمئن تماما إلى صحتها، قدوم أبطال اليونانيين الذين خاضوا حرب طروادة إلى ليبيا ويجب أن نعير رحلاتهم قيمة أكثر من رحلات برسي (Persée) وهرقل والارغنوط. فالاستعمار اليوناني لم يتصل أبدا مباشرة ببلاد البربر. ولم يستقر الدوريطانيون على نجد بلاد القريني (Cyrénaique) إلا حوالي سنة 631. وكانت لهم مع الليبيين معارك عنيفة متكررة. ولكنهم اختلطوا بهم اختلاطا وثيقا وتبنوا تقاليدهم الجنائزية وعقائدهم وسعوا إلى التزوج بالجميلات من نسائهم. ولئن هم أسسوا مدينة برقة في أواخر القرن السادس فقد اصطدموا بقرطاج عندما كرروا محاولاتهم التوسعية. ولم يسمح البونيقيون كذلك باستقرار دوريوس أصيل سبرتا
61
60