تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..
الجزء ١ · صفحة ٣٢ش. جوليان
بين سبرتا الصغرى وسبرتا الكبرى وفرضوا في آخر القرن السادس بعد ذلك على اليونان أن لا يتجاوزوا معابد "الفيلان" حتى لا يتوغلوا في سبرتا الكبرى (مختار) (Mouktar). ولا شك أنهم حجروا عليهم في القرن السادس كما حجروا على الرومان كل تجارة مباشرة مع بلاد البربر - وإذن فإن البربر لم يعرفوا الفن المعماري والصناعة والعبادات اليونانية إلا بواسطة الفينيقيين. ولم يتيسر للممالك البربرية أن تتاجر مع اليونان بحرية إلا بعد سقوط قرطاج، وعند ذلك أمكن لبعضهم أن يعيشوا في العواصم البربرية وأن ينشروا مدنيتهم في بلاطات الأمراء.
||| - مدينة البربر
1 - طريقة المقارنة: وعندما ندرس أحوال البربر معتمدين على المراجع القليلة الموجودة نباغت باستمرار عاداتهم خلال العصور. فالكثير من مظاهر حياتهم الاجتماعية الحالية خصوصا الدينية منها تمتد جذورها إلى ماض سحيق ربما يرجع إلى ما قبل التاريخ. ولذلك نسمح لأنفسنا بالاعتماد على ملاحظات حديثة لتعويض الحلقات المفردة من الوثائق أو ربط أحداث واقعة خلال مختلف العصور تظل غامضة من دون شك. إنها طريقة دقيقة تشكو داء ليس له دواء، ألا وهو انعدام التواريخ. ولذلك يحتاج كل من اعتمد عليها إلى الحذر الشديد وإلى إحاطة بالمعارف لا يتسرب إليها الشك. ورغم ذلك فإن النتائج بصفة عامة لا تتجاوز الحقائق التقريبية والفرضيات. وبما أنه لا يمكن استعمال طريقة أحسن منها فإنها إذا استعملت بمهارة تعطي نتائج مدهشة في بعض الأحيان. فالمقارنة التي قام بها "أ. ف. قوتيه" بين الكاهنة وأحد قواد بني زيان أثناء الحروب الأخيرة بالمغرب الأقصى -إذ يأمر كلاهما ابنه بالاستسلام للعدو الذي كان عربيا بالأمس وفرنسا اليوم تلقي الأضواء على جانب من جوانب العقلية القبلية وقد اعتمد عليها "ستيفان قزال" اعتمادا كليا، فألف كتابين في نظام البربر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وفي حياتهم المادية والفكرية والأخلاقية وفيهما من غزارة المعلومات والطرافة ما يدعوا إلى الأخذ منها بلا احتراز.
2 - صيادون ومربو مواش
لم تتغير عادات البربر طيلة العصور تغيرا محسوسا. لقد كانوا في أول أمرهم صيادين تقض مضاجعهم الوحوش الضارية. واستمر بعد ذلك يبحثون عن هذه الحيوانات توفيرا لأمنهم وسدا لحاجات ملاهيهم. ولما عرفوا الفلاحة ظلوا - رغم ذلك - يربون البقر والجياد والغنم والضأن إما مقيمين في أماكن قارة بجهات آمنة أو منتقلين من مراعي السهول شتاء إلى مراعي جبال التل صيفا أو منتجعين السباسب إلى أن يضطرهم الجفاف إلى اقتحام مروج التل ولو بالقوة. وسنرى أن الفلاحة لم تسجل تقدما محسوسا إلا في القرن الثاني قبل المسيح بفضل مسينسا العاهل البربري العظيم.
63
62