تاريخ إفريقيا الشمالية: تونس، الجزائر، المغرب الأقصى من البدء إلى الفتح الإسلامي 647م شارل أندري جوليان

تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..

الجزء ١ · صفحة ٥

ش. جوليان

وأطلق اليونان علي جميع أهالي إفريقيا الشمالية أو الليبيين اسم قوم كانوا

يعيشون

بين خليج سيرتا (Syrte) والنيل هم اللوبيون Les eboun واستعمل القرطاجيون والعبرانيون نفس التسمية. وكذلك الرومان فقد عمموا اسم " الموريون " على جميع سكان بلاد البربر وكان الأول خاصا بسكان شمال المغرب الأقصى.

واليوم لا يعرف عامة الناس أن المغرب الأقصى والجزائر وتونس آهلة بالبربر، ويعمدون إلى تسميتهم. عرب. أما الأهالي فكثيرا ما كانوا يسمون أنفسهم أمازيغ (مؤنثه تمازيغت وجمعه أمازيغن)، ومعناه " الرجال الأحرار"، ثم " النبلاء ". وقد أطلق هذا الاسم على قبائل عديدة قبيل الاحتلال الروماني.

2 - كتلة من المرتفعات

إن "جزيرة المغرب" شكلها رباعي الأضلاع ممتد الأطراف مشتمل على مرتفعات تحوطها مياه المحيط أو البحر المتوسط ورمال الصحراء. وإذا كان من المحتمل أن يكون أهلها أتيح لهم في مطلع عصور ما قيل التاريخ الاتصال بأوروبا عن طريق الجسور التي كانت تربط إلى ذلك الوقت بين القارتين كما أتيح لهم الاتصال بإفريقيا الوسطى عبر الصحراء التي لم تكن يومئذ على وحشتها الحالية، فإن انعزالهم في جزيرتهم طوال عصور التاريخ جعل تسرب التأثيرات الخارجية إليهم أعسر وإن كان أشد عنفا، ومكن التقاليد المحلية من الصمود في وجه طوارق الأزمان.

وأضلاع هذا الشكل الأربعة متفاوتة الأبعاد. فبين رأس سبارتيل (Spartel) والوطن القبلي "1550 كلم " تقريبا، وبين رأس النون وقابس 2200 كلم. وبين رأس سبارتيل ورأس النون أكثر من ألف كلم. وبين الوطن القبلي وقابس أقل من 400 كلم " وتبلغ المساحة الكاملة 930000 كلم مربع " وإذا استثنينا غربي المغرب الأقصى وشرقي تونس، فإن الأراضي المنخفضة قليلة، لكننا نجد بالخصوص سهولا مرتفعة ونجادا محاطة بكتل جبلية مستديرة الشكل تندمج في مجموعة الأطلس. ويرجح أن هذا الاسم بربري الأصل إلا أن شكله الحالي مستعار من جغرافية المغرب الأقصى القديمة وقد أطلقه المعاصرون على مجموع جبال إفريقيا الشمالية.

إن أكثر من نصف بلاد البربر يتجاوز ارتفاعها 800 م " وإذا كان معدل الارتفاع في تونس لا يتجاوز 300 م " تقريبا، فإنه يبلغ في المغرب الأقصى " 800 م"، وفي الجزائر "900 م". إلا أن تلك الأرقام " وهذا هو المهم " ليست ناتجة عن وجود جبال شاهقة إلا بنسبة

؛ تاريخ شمال إفريقيا

ضئيلة - فإذا بلغ ارتفاع جبل " تبقال " بالمغرب الأقصى " 4165 م" فإن أعلى قمة في الجزائر وهي قمة جبل شلية (أوراس (لا تبلغ إلا "2328 م"، وأعلى قمة في تونس وهي قمة جبل الشعانبي لا تبلغ إلا "1590 م" فقط. ومعنى هذا أن بلاد البربر تخص بأن ارتفاع جبالها يتراوح بين "800" و"1200 م".

وفي بعض الأحيان يوجد تضارب عنيف بين هذه التضاريس وبين السهول. فجبال الأطلس في متيجة تشرف من علو " 1400 م " على مدينة البليدة الصغيرة الواقعة في أسفلها، ويزداد هذا التفاوت في المستويات بين قمم جرجرة ووادي الصومام الذي يحاذيها جنوبا، وبين الأطلس وحوز مراكش وبين الريف والبحر. ولكن الجبل في أكثر الأحيان ليس إلا الدرجة العليا من جملة درجات متساوقة فيبدو متواضعا في الأفق الذي يسده. مال محور جبل سيدي

وهكذا نجد في جبال عمور جبل سيدي عقبة (1700 م) يعلو سهل عفلو (1426 م) وكذلك الأمر بالنسبة للجبال التي تحاذي شمالا منخفض الهدنة (1890 م) (ارتفاع جبل بو طالب 1890 م. فهي تعلو نجاد سطيف ارتفاع سطيف 1074 م). و نجاد سط.

1890

إن تضاريس بلاد البربر أثرت بخاصيتين جوهريتين على مصير البلاد تأثيرا حاسما في أكثر الأحيان. فتجزؤ البلاد إلى أقسام مستقلة الواحد عن الآخر لم يكن خطرا على وحدة السياسية خلال العصور فقط، بل إنه ساعد في بلاد القبائل أو الأوراس مثلا على تكوين مجموعات بشرية لها خصائصها الذاتية. ولا تزال إلى اليوم صامدة أمام اكتساح التاريخ. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الاتجاه العام للجبال حسب خطوط العرض جعل الاتصال بين الشرق والغرب سهلا نسبيا إلا أنه عدد من الحواجز ما بين الساحل وداخل البلاد. وإذا استثنينا ساحل المغرب الأقصى المواجه للمحيط الأطلسي وشرقي تونس فإن المغرب لا يكشف إلا عن وجه عدائي. وكان سالسطس (Sauste) لاحظ ذلك بقوله: بحر عارم اللج عديم المرافئ) حروب يوغرطه، الفصل 1). (Bell. Lng XVII) mare saevum، importuosum ولذلك يتضح بسهولة لماذا دخل جميع الغازين بلاد البربر من أحد طرفيها. ولم يشذ عن هذه القاعدة إلا الغزو الفرنسي. ولعل في ذلك تفسيرا لبعض ما لاقاه هذا الغزو من صعوبات.

3 - طور تكوين تضاريس القشرة الأرضية (orogenie)

إن هيئة الأرض المتصفة في آن واحد بالتكتل والتجزؤ والتي أثرت أيما تأثير على تاريخ بلاد البربر يتضح أمرها بالرجوع إلى أطوار تكون التضاريس. وبما أنها بقيت طويلا مجرد حاشية للقارة الإفريقية فقد خضعت لما خضعت له هذه القارة من تغييرات. ففي

9

8