تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر ..
الجزء ١ · صفحة ٦ش. جوليان
الحقبة الأولية (L'ère primaire) وحتى قبلها غيرت سلسلة من الحركات والالتواءات عقبتها أطوار من الانجراف (erosion) ملامح هذه الأرض تدريجيا وعندما انخفض "شبه سهل ما بعد العهد الهرسيني pénéplaine posthenine) وغمرته المياه ظهر موقع بلاد البربر طوال العصور الثانوية شبيها ببحر متوسط تخللته جزر وأغوار عميقة. وامتد من الغرب إلى الشرق على حاشية القارة الإفريقية التي بقي معظمها خارج
المياه.
ويمتد طور الترسب الطويل الذي تلا ذلك إلى أوائل العصور الثلاثية أثناءها برزت بلاد البربر بروزا، وأصبحت تحت تبعية أوروبا الجيولوجية إن صح هذا القول: ذلك أنه في الوقت الذي انبثقت فيه الجبال " البيرينيه " (Pyrenees ظهرت مجموعة من الجبال كأنها نوع من "ما" قبل الأطلس" معقدة تراكبت فيها الرواسب (sediments) الثانوية، والثلاثية التي التوت في عنف متفاوت القوة مع بقايا "شبه سهل ما بعد العهد الهرسيني" وقد ارتفعت هذه البقايا في نفس الوقت الذي ارتفعت فيه المجروفات. عت فيه الج
وهذا الالتواء الأول نتج عنه تحول البحر الأبيض المتوسط إلى الشمال. ولكن هذه المجموعة من الطبقات الأرضية التي اعترتها التواء أخرى لم تظهر في شكلها الحالي إلا في النصف الثاني من الحقبة الثلاثية في نفس الوقت الذي تكونت فيه جبال الألب (Alpes)، وتغير من ملامحها ما تغير. ولم تنفصل إفريقيا عن صقلية إلا في الحقبة الرباعية حيث وقع خسوف في الأرض فصل بين الريف وسيرانيفادا (Sierra Nevada) وتولد عنه مضيق جبل طارق. إلا أنه يجب أن نلاحظ أن تضاريس إفريقيا الشمالية تطورت منذ أن تكونت بتأثير عاملين أساسيين: أولا الانجراف الذي فتتها بقوة تتفاوت شدة وضعفا بسبب اختلاف مستويات البحر خاصة. وثانيا النقل (remblaiement) الذي غشاها في الجهات المحرومة من مصب يصلها بالبحر، وخاصة في السهول المرتفعة
الممتدة
بين
الأطلسين. 4 - المناخ:
إن سلطان المناخ على البشر أشد سطوة وأكثر تقلبا من مفعول التضاريس التي تتأثر به في شتى مظاهرها. ذلك أن الصيف الذي كثيرا ما يكون باكرا وخاصة كلما توغلنا في الجنوب يتبع الشتاء والشتاء يتبع الصيف في طفرة ومن دون تدرج. ومعدل درجات الحرارة على السواحل لا يفوق 25 درجة. لكن حر النهار يبقى منتشرا في الليل الثقيل. والهواء الرطب كثيرا ما يعترض الآفاق كأنه بخار رمادي والشتاء معتدل، نير بصفة عامة، ولكنه لا يزود البشر بما يحتاجون إليه من طاقة ونشاط كما هو الشأن في
تاريخ شمال إفريقيا
أوروبا. والتضاد يقوى إذا توغلنا في داخل البلاد، ففي الصيف يطول النهار ويجف الهواء وتعلو درجات الحرارة بسرعة وكثيرا ما يبلغ حدها الأقصى 40 وحتى 45 درجة. غير أن كثرة الأمطار هي الظاهرة الرئيسية من الناحية البشرية: فإذا انفتح المغرب الأقصى انفتاحا إلى التأثيرات الأطلسية فإن وضعية التضاريس سواء بالجزائر أم بتونس تمكن رقعة ساحلية ضيقة من التمتع بكمية كافية من المطر. وبصفة عامة فإن الخط الذي يجمع بين الأماكن التي يبلغ نزول المطر فيها 400 مليمتر مواز للساحل الشمالي بمسافة تتراوح بين 100 و 200 كلم ولا تتجاوز هذا الرقم إلا نادرا وبعد هذا الخط تبدأ
السباسب (Steppes).
ولو أن ماء المطر كماء النيل يعد هدية تقدمها باستمرار آلهة قارة لهان الأمر ولكن كمية الأمطار كثيرا ما تتحول بسهولة إلى ثلاثة أضعافها من سنة إلى أخرى وأحيانا بنسبة أكبر. ولقد سجلت في "جلفة" كمية الأمطار النازلة سنة 1913 كانت 99 مليمترا مقابل 775 في سنة 1893. ولا شك أن الأمطار تتوزع تقريبا على أيام الشتاء دون سواه. ولكنها تتهاطل بغزارة أحيانا في بضع ساعات فسرعان ما تتضخم الوديان بالمياه الممزوجة بالطين بعد الجفاف. فلا غرابة إذن أن يبلغ إنتاج الحبوب في المغرب الأقصى 38 مليون قنطار سنة 1941 وألا يتجاوز 4 ملايين ونصف قنطار في سنة 1945. وحتى بركة الأولياء فكثيرا ما تبقى عاجزة أمام بخل السماء.
5 - الحياة النباتية
إن ما عليه الحياة النباتية اليوم في إفريقيا الشمالية نتيجة لظروف طبيعية ولعمل البشر كما هو الشأن في جميع البلدان العريقة في العمران. ويصعب في كثير من الأحيان أن نعرف بالضبط إلى أي حد أثر أحد هذه العوامل على الأخرى طوال آلاف السنين الأخيرة. إلا أنه مهما بلغ بنا الخيال لا يمكن أن نتصور أن هذا العمل قدر على تغيير معطيات التضاريس والمناخ تغييرا جوهريا. والذي لا شك فيه على ما يظهر هو أن مساحة الغابات التي تبلغ اليوم 6 ملايين من الهكتارات تقريبا تناقصت خلال عصور التاريخ. فانتشار المزروعات وحاجة البشر إلى الوقود أو إلى مواد البناء وما قضمته أسنان الحيوانات كل ذلك يعلل تعليلا كافيا تناقصيا الغابات ولو بصورة نسبية. وفي كثير من الأحيان حلت فعلا النباتات الشوكية والأراضي القاحلة محل الغابة فلا مبالاة البدو الرحل ولا عداؤهم قضيا على الأشجار وخاصة الزياتين في جهات تشهد آثار المعاصر على وجودها فيها قديما. إلا أن إفريقيا
11
10