سايح دين
الجزء ١ · صفحة ١٧٢الفصل الثاني: التشيع في بلاد المغرب الأوسط من القرن الثالث حتى الخامس الهجري.
لم تكن القيروان وافريقية هي وحدها التي عرفت ظاهرة المناظرات، وإنّما كان هذا النشاط العلمي والفنّي يجري في مناطق مختلفة في بلاد المغرب الأوسط وحواضره کتلمسان و تاهرت والمسيلة، وغيرها تجري المناظرات حيثما توجد وجهتي نظر مختلفتين لدرجة التناقض كما هو الحال بين التشيع والسنّة من مالكية. هذا النشاط الفكري الذي كان يلجأ فيه الطرفان إلى جميع أساليب ووسائل الجدل الفكري ويستخدمون فيه معارف شتّى في الفقه والعقيدة واللغة والفلسفة واللاهوت، فكان دافعا للبحث في علوم شتّى وعاملا لشحذ الهمم من أجل طلب العلم والمعرفة. لكن ما يجب التنبيه إليه عند محاولة دراسة موضوع المناظرات في هذه الفترة هي أنّ كل طرف في رواية تفاصيل المناظر يدعي أن صاحبه في المذهب هو الذي انتصر وأفحم الخصوم، وهذه الإشكالية سنعود لمناقشتها إنشاء الله في الفصل الخاص بالصراع المذهبي في بلاد المغرب. كما أنّ المصادر التي أرخت للمناظرات في العهد الشيعي بالمغرب جلّها سنية، كالدباغ، الخشني وأبو العرب التميمي والمالكي. أما الاباضية فإنّ احتكاكهم بالشيعة فى القيروان فقد كان محدوداً مقارنة بفقهاء المالكية، لكن رغم ذلك تذكر المصادر الاباضية خاصة الوهبية منها جانبا من هذه المناظرات، كتلك التي كانت تجري في مجلس المعز بن باديس وكان يشارك فيها شيخ الاباضية "أبا نوح سعيد بن زنغيل وكان صاحب: علم وفصاحة وبراعة ومعرفة بفنون الرّد على المخالفين … ومن الاباضية الذين ذكر أنّه صاحب جدل ومناظرة الشيخ أبي خرز يعلى بن زلتاف الوسياني" الذي اصطحبه المعز معه عند رحيله إلى مصر وفي هذه الرحلة يذكر الدرجيني أنّه ناظر رجلا من المعتزلة.
1
وللاباضية في فن المناظرة تاريخ طويل يعود إلى مرحلة الدولة الرستمية وعلى وجه الخصوص إلى عهد الإمام الثاني عبد الوهاب بن رستم (171 - 208 هـ) الذي ناظر المعتزلة وحاربهم كما تقدّم في الفصل الأول من هذه الدراسة.
1
ومهما يكن من أمر هذه المناظرات ومستواها الفكري المحدود بحكم محدودية المعارف العلمية في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الحضارة الإسلامية، ومحدودية المعرفة في المجتمع البربري في بلاد المغرب الأوسط، إلا أنّ تلك المناظرات كانت تعبّر بشكل فعّال عن النشاط الفكري في
_الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، ج 1، ص 137.
167
نفسه، ج 1، ص ص 144_145.
2