الاتجاهات المذهبية ودورها في التطور الثقافي في المغرب الأوسط من القرن 3هـ إلى القرن 6هـ سايح دين

سايح دين

الجزء ١ · صفحة ١٨٣

الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)

تمهيد:

يتناول هذا الفصل من البحث الاتجاه السني الذي يمثل تيار الأغلبية في المجتمع الإسلامي والذي تعود جذوره التاريخية إلى المراحل الأولى من صدر الإسلام، هذا التوجه الذي يأخذ كل ما صح عن الرّسول صلى الله عليه وسلم من قول وفعل، كما يأخذ بسير الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة

والتابعين.

ظهر مصطلح السنة كمدلول معبر عن توجه محدد في الثقافة الإسلامية في القرن الثاني للهجرة (9 م)، وذلك لتمييزه عن التوجه الخارجي والشيعي، كما تميّز التوجه السنّي بظاهرة المذاهب الفقهية ذات الطابع التشريعي التي تمثل تيارات فكرية أساسية داخل هذا التوجه السني العام، هذه التيارات السنّية أو المذاهب الفقهية السنية ارتبطت تسمياتها بكبار فقهاء السنة الذين برز دورهم العلمي في القرن الثاني والثالث الهجريين، لكن تأثيراتهم لازالت مستمرة حتّى الآن ويعتبر الإمام أبو حنيفة النعمان (80 - 150 هـ) أوّلهم، والإمام الأوزاعي (157 هـ) ثانيهم أما ثالثهم فالإمام مالك بن أنس الأصبحي (94/ 3_179 هـ)، ثمّ جاء دور الشافعي (204.150) وأحمد بن حنبل (164_241) وغيرهم. ولتحقيق فهم أعمق لهذا التوجه السني الهام والمؤثر في تطور التاريخ والثقافة الإسلامية مشرقاً ومغرباً، عمدت الدراسة إلى البحث في الجذور التاريخية لنشأة هذا التوجه والأصول والمبادئ الفكرية التي قام على أساسها، سواء في المجال الفقهي التشريعي أو في مجال العقيدة والسياسة. ومن التيارات الأساسية السنية التي لعبت دورا أساسيا في التطور التاريخي والثقافي لبلاد المغرب الإسلامي بصفة عامة والأوسط بصفة خاصة، نجد المذهب الحنفي والمذهب المالكي وحتى وإن كان المذهب الحنفي سباقا في الوصول إلى بلاد المغرب الإسلامي، إلا أن انتشاره وتأثيره كان محدوداً في بلاد المغرب، رغم استمرار وجوده حتى مطلع القرن الخامس الهجري. أما المذهب المالكي فقد عرف انتشاراً واسعا في بلاد المغرب الإسلامي في فترة الدراسة (ق 63 هـ)، كما ساهم بقوة في بلورة التوجه الثقافي لبلاد المغرب الإسلامي بصفة عامة وبلاد المغرب الأوسط بصفة خاصة، لذا ستركز الدراسة بصفة أساسية - في هذا الفصل ـ على دور المذهب المالكي دون إهمال دور المذاهب السنية الأخرى. كما تتناول الدراسة في هذا الفصل مساهمة التوجه السني بمختلف مذاهبه أو تياراته في تطور الحياة الفكرية، من إنتاج للعلوم والمعارف وبروز للعلماء والفقهاء وكذا حركة التأليف.

178