سايح دين
الجزء ١ · صفحة ١٨٤الفصل الثالث: الاتجاه السني ودوره في تطور الحياة الثقافية بالمغرب الأوسط (ق 3_6 هـ)
كما لم تغفل الدراسة في هذا الفصل عن بروز بعض التوجهات الثقافية والسياسية والاجتماعية المرتبطة بالتطور الثقافي العام لبلاد المغرب الإسلامي بصفة عامة والمغرب الأوسط بصفة خاصة، ولعل أبرز هذه التوجهات الثقافية حركة التصوف السني وتجربة المهدي بن تومرت إمام الموحدين، هذه التجربة التجديدية التي جمعت بين السنة والإبتداع.
أولا: الجذور التاريخية والأصول الفكرية لنشأة المذاهب السنية. أ. الجذور التاريخية لنشأة الإتجاه السنّي:
شهد المجتمع الإسلامي في عهد الخلفاء الراشدين (11 - 40 هـ) توسعا معتبرا، حيث فتحت مصر والشام وبلاد فارس وبدأت طلائع الفاتحين تعبر إلى الغرب من مصر باتجاه بلاد البربر إلى برقة وطرابلس وإفريقية. أدى توسع الفتوحات الإسلامية إلى نشأة مجتمع إسلامي يضم شعوبا وقبائل ذات أصول عرقية ولغوية وحضارية مختلفة، كما واجهت المسلمين قضايا كثيرة وشائكة مست جميع مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، ممّا لم يرد فيها نص قطعي في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف (السنة النبوية).
دفع هذا الأمر الصحابة إلى الاجتهاد قصد تعريف هذه الشعوب بالإسلام، وتمكينهم من فهم عقائده وعباداته وتسهيل تطبيقها في حياتهم وفي بيئات تميّزت بالاختلاف من الناحية الحضارية والاجتماعية وحتى الجغرافية عمّا كان سائدا في شبه الجزيرة العربية. اجتهد الصحابة في القضايا المستجدة التي عرضت عليهم ولم يجدوا لها نصا قطعيًا من الكتاب والسنّة، وقد اقتدوا في سلوكهم هذا بما أقره الرّسول الله في قصة الصحابي الجليل معاذ
بن جبل لما أراد إرساله إلى اليمن قاضيا وربّما معلّمًا للمسلمين تعاليم دينهم الصحيحة. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "بم تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال رسول الله: فإن لم تجد؟، قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فقال رسول الله: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى الله ورسوله.
2
2
1_ يوسف بن أحمد حواله الحياة العلمية في إفريقية «المغرب» الأدنى» منذ تمام الفتح حتى منتصف القرن الخامس الهجري (90 - 450 هـ)، ج 1، طبعة 2000، جامعة أم القرى، مكة، ص 262. الإمام محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، طبعة دار الفكر العربي، القاهرة، سنة 1996،
—
ص،246.
179