الاتجاهات المذهبية ودورها في التطور الثقافي في المغرب الأوسط من القرن 3هـ إلى القرن 6هـ سايح دين

سايح دين

الجزء ١ · صفحة ٢٦٨

الفصل الرابع: دور الاتجاهات المذهبية في التطور الفكري بالمغرب الأوسط (ق 3 - 6 هـ)

تمهيد

نشأت الاتجاهات المذهبية في المشرق الإسلامي منذ صدر الإسلام، وتوسعت بتوسع حركات الفتوحات الإسلاميين، كما استغلت حركة الرحلة بمختلف أشكالها، وكذا حركات الهجرة لتوسيع مجال انتشارها بهدف بث مقولاتها السياسية والعقدية بين المسلمين لإثبات وجودها ومواجهة الخلافة المركزية سواء في عهد بني أمية أو بني العباس. ولقد تمكن الخوارج بفرعيهم الصفري والاباضي من إقامة أول تجربة سياسية في بلاد المغرب الأوسط في القرن الثاني وحتّى الثالث الهجريين، ويبدو أنّ التجربة الشيعية الزيدية ثمّ الاسماعيلية لم تتأخر كثيرا، حيث وصل الزيدية إلى غرب المغرب الأوسط في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري.

أمّا الاسماعيلية من الشيعة فبالرغم من وصول دعاتهم منذ القرن الثاني والثالث الهجريين فإنّ تجربتهم لم تتضح معالمها إلّا بقيام الدولة الفاطمية التي سادت بلاد المغرب الإسلامي في القرن الرابع الهجري.

أما فيما يتعلّق بأهل السنة، فإنّ هذا التوجه ورغم خلفيته السياسية الموالية للخلافة سواء في عهد بني أمية أو بني العباس فإنّ هذا التوجه لم يقم على أساس الفكرة السياسية، كما هو الحال عند الخوارج والشيعة وإنّما ظهر كموقف فكري تشريعي، لذا لم يسعى أصحابه إلى إقامة نظام سياسي غير نظام الخلافة إلا في حالات نادرة، لكن هذا لا يعني أنّه لم يحاول المساهمة في الحياة السياسية أو التأثير عليها خاصة في بلاد المغرب الأوسط.

وسنحاول في هذا الفصل الكشف عن بعض جوانب مساهمة هذه الاتجاهات المذهبية في تطور الفكر السياسي والعقدي وحتى التشريعي في بلاد المغرب الأوسط، كما سنحاول عرض هذه التجارب على أصولها الفكرية لنرى مدى انسجام التجارب الواقعية مع الأصول النظرية، كما سنحاول فهم العلاقة الجدلية القائمة بين البعد السياسي والعقدي عند الاتجاهات المذهبية في

الإسلام.

263