سايح دين
الجزء ١ · صفحة ٣١٩توسع العلويون نحو المغرب الأوسط، وبه أسسوا الإمارات في القرن الثالث الهجري، وساهمو بفاعلية في تطوير الحياة الثقافية، من خلال نشر اللغة العربية، وترسيخ تعاليم الإسلام في نفوس السكان إقامة الحواضر الإسلامية.
استغلت الحركات الشعبية الباطنية المتطرفة المكاسب التي حققها العلويون في بلاد المغرب وتمكنت من بناء الدولة الفاطمية الشيعية الاسماعلية، لكن تطرف سياستها المذهبية وطروحاتها الفكرية أدى الى انهيار تجربة العلويين ببلاد المغرب، هذه التجربة التي تركت آثاراً عميقة في الثقافة المغربية، وأدخلت إليها عناصر فكرية جديدة، كتلك النظريات الدينية والفلسفية التي جاء بها الشيعة الاسماعلية، لكنها في نفس الوقت أسهمت في إثراء وانفتاح ثقافة أهل المغرب على علوم ومعارف كانت منبوذة أو مجهولة بالنسبة لهم، كما ورفعت حدة التنافس الفكري بين
المذاهب.
لكن تطرف التجربة الفاطمية من الناحية السياسية والمذهبية دفع الى تأزم المشهد الثقافي السياسي وحتى الاجتماعي ببلاد المغرب، وأدى إلى تصاعد حدة الصراع المذهبي بين
الطوائف المختلفة، كما تراجع مؤشر التسامح والروح العلمية الموضوعية بشكل حاد.
أما الاتجاه السني الذي يمثل خط رجال الفتح الاسلامي الاول من الصحابة والتابعيين، فلم يكن ميالا للصراع السياسي والجدل العقائدي بل ركز جهوده في القرون الأولى للإسلام على الجانب العلمي التشريعي، فاهتم رجاله بعلوم القرآن والحديث والفقه، فأثرت تجربته الحياة الفكرية بشكل كبير لدرجة أنها صاغت المشهد الثقافي والاجتماعي برؤية سنية، تأكدت هذه الحقيقة بعد ظهور المذاهب الفقهية الكبرى ووصولها إلى بلاد المغرب هذا التوسع الفكري والاجتماعي هو الذي منحها القدرة على مواجهة النزاعات الخارجية، والصمود أمام موجة التشيع الإسماعيلي، كما ضمن هذا الإطار الثقافي والاجتماعي سيادة واستمرار المذهب المالكي حتى غدا عنصراً جوهريا في ثقافة أهل المغرب بصفة عامة والأوسط بصفة خاصة، ولم يكن ارتباطه بالسياسة إلا في ظروف استثنائية.
وبالجملة فإن الحركة المذهبية في الثقافة الاسلامية، هي في جانب مهم منها نتاج أزمة سياسية في مسار تطور الدولة الإسلامية تمخض عنها ظهور حركة الخوارج، ثم حركة التشيع لآل البيت بمختلف فرقها، هذه الحركة المذهبية التي نقلت نشاطها السياسي بقوة الى بلاد
313