جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ١٨٥كان القضاء من المناصب التي استحوذت عليها نفوسة، فكانت هي التي تشرف على تعيينهم. فقد ذكر ابن الصغير في حديثه عن إمامة أفلح بأنها كانت تلي عقد تقديم القضاة(1)، ويفهم من هذا أنه في حالة عدم تعيين القضاة منها فقبولهم مشروط بموافقتها، فمثلا عندما أراد أبو اليقظان أن يختار قاض شاور جماعة منها فأبدوا موافقتهم عندما اقترح أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ(2). كما أن أفلح شاور الشراة في اختيار من يوليه القضاء. والشراة هم فئة تتكون من شيوخ المذهب، ومن مشائخ تاهرت سواء من الإباضية أو من غير الإباضية، وكانت نفوسة ممثلة بقوة في هذه الفئة. وتذكر المصادر أن الشراة اختاروا محكم الهواري لتولي هذا المنصب، رغم تحفظ الإمام قائلا: "ويحكم دعوتم إلى رجل وصفتم في ورعه ودينه ولكن هو رجل نشأ في بادية ولا يعرف لذي القدر قدره ولا لذي الشرف شرفه"(3). وتم استدعاء محكم من جبل أوراس، وتولى هذا المنصب وحكم بالعدل فلم يميز بين أبي العباس أخ أفلح، وبين خصمه عندما مثلا أمامه للحكم في نزاع حول قطعة أرضية. وقد أعجب بذلك وجوه الإباضية وسروا بعدالته(4). وهذا يدل على أن القاضي كان يتمتع باستقلالية في فض النزاعات، فلم يكن الأئمة يتدخلون في عمل القضاء، فعلى الرغم من أن أبا العباس اشتكى إلى أخيه من معاملة محكم الهواري له إلا أن هذا الأخير أقر بأن ما فعله هو الصواب، والحق أولى من أن يؤثر(5).
(1) - المصدر السابق، ص63.
(2) - نفسه، ص88.
(3) - السابق، ص57-58.
(4) - نفسه، ص60؛ الشماخي: السير، ص195.
(5) - نفسه، ص61.