جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٣١٣ونظرا للدور الذي تلعبه الطرق التجارية في ازدهار حركة التجارة فقد اهتمت بها الدول الإسلامية في بلاد المغرب، فعملت على صيانتها وحمايتها، وبناء المحطات والحصون على طول الطرق الهامة حتى توفر الأمن للتجار. ومنذ أن فتح العرب هذه البلاد واستقروا فيها أولوا عناية كبيرة للطرق فمهدوها، وأنشأوا المحطات المزودة بالخيل على مسافات متقاربة، فلما قامت الدولة الرستمية في المغرب الأوسط (160-296هـ) ساهم أئمتها مساهمة فعالة في تنشيط حركة التجار، فمهدوا السبل إلى مختلف الأصقاع. كما كانت للأئمة قوافلهم الخاصة التي كانوا يرسلونها إلى بلاد المشرق للتجارة، مثل القافلة التي رحل رفقتها الإمام أبو اليقظان في طريقه إلى الحج، يقول ابن الصغير: "استعملت السبل إلى بلاد السودان، وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب، بالتجارة وضروب الأمتعة… والعمارة زائدة، والناس والتجار من كل الأقطار تاجرون".(1) فجاء التجار إلى تاهرت من كل الأمصار واستوطنوها، ومما شجع التجارة وأنعش الحياة الاقتصادية في الدولة الرستمية هو أن بعض أئمتها مارسوا التجارة. فقد كان الإمام عبد الوهاب تاجرا أيام أبيه.(2) وقد تزايدت أهمية التجارة في عهد أفلح، فكثرت الأموال، وجاءت الوفود من كل الأمصار والآفاق بمختلف أنواع السلع، فازدادت رفاهية الناس، فأبتنوا القصور، والضياع خارج تاهرت.(3) وانتشرت القبائل حول المدينة، وكثُرت الأموال بأيديهم. ويرجع سبب هذا الرخاء كما ذكرنا إلى الاهتمام بطرق القوافل، وتوفير الأمن لها، وتأديب قطاع الطرق، رغم صعوبة تحقيق مثل هذا الأمر. فقد خرج الإمام أبي حاتم على
(1) - أخبارالأئمة الرستميين، ص36-37.
(2) - الباروني: الأزهار، ص189.
(3) - ابن الصغير: المصدر السابق، ص61-62؛ جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المغرب الأوسط خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين (9-10م)، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992، ص196.