جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٣٢٩وقد كان تجار جبل نفوسة يتاجرون في العديد من السلع ويتجولون في مختلف الأسواق المغربية خاصة في المدن التي يتواجد بها إخوانهم في المذهب، فقد كانوا يشترون اللباس ومواد الزينة من طرابلس ويبيعونها في سوق الخميس بجربة.(1) كما كانوا ينتقلون إلى تاهرت وهي عاصمة دولتهم لشراء مختلف السلع القادمة من الأندلس، ومن سجلماسة بالمغرب الأقصى، ومن بلاد السودان. فقد أشادت المصادر بكثافة النشاط التجاري فيها، يقول ابن الصغر: "وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار… واستعملت السبل إلى بلد السودان، وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة وضروب الأمتعة، فأقاموا على ذلك سنتين، أو أقل من ذلك، أو أكثر، والعمارة زائدة، والناس والتجار من كل الأقطار تاجرون".(2) فلا مندوحة إذن أن تكون أسواق تاهرت مكدسة بالسلع خاصة وأن علاقات بني رستم مع الأندلس ومع بني مدرار كانت تتسم بالمحبة والمودة وحسن الجوار. فهي أحد معادن الدواب والبغال والبراذين والأغنام، ويكثر عند سكانها العسل والسمن،(3) وبها المصنوعات النسيجية بمختلف أنواعها من وصفية وكتانية وحريرية، وبها من المعادن الحديد والزئبق وغيرهما.(4) وكان تجار نفوسة يسافرون دوما إلى عاصمة دولتهم، خاصة وأن جالية كبيرة من النفوسيين كانت تقيم فيها. وقد تحدثت المصادر كثيرا عن تلك الأسفار. يقول الوسياني: "إذا أراد الزيارة للولاة (يقصد أبا مرداس مهاصر)أخذ الوصايا من أهل الدعوة أهل الجبل… فيرفعها لتاهرت لنفع بيت مال المسلمين، ولنفع أرباب الوصايا بالرخص، فإذا وصلها وهيأها ويجمعها جميعا فى موضع عرمة واحدة يؤذن للمساكين فيرفعون ما قدر لهم
(1) - الوسياني: السير، (مخ)، و55.
(2) - ينظر: أخبار الأئمة الرستميين، ص36-37.
(3) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص86؛ الإدريسي: القارة الإفريقية، ص157.
(4) - محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، ص206؛ الحريري: الدولة الرستمية، ص232.