نفوسة وعلاقته بالرستمية
الجزء ١ · صفحة ٢٤٦اعتزل أبو اليقظان الحرب التي كان السبب في اشتعالها وصار إلى عدوة نفوسة التي هي الأخرى بقيت معتزلة الحرب، والتي يبدو أن هناك أطرافا خارجية ساعدت على تأججها وخلق الفتنة المدمرة لتستطيع تلك الأطراف الخارجية أن تمد نفوذها على حساب الدولة الرستمية، ونقصد بهذا التدخل الخارجي دولة الأغالبة في إفريقية، حيث أشار ابن الصغير إلى تدخل مستمر من قبل الأغالبة في الحرب الدائرة في تيهرت، حيث قال: "وكان قد قبض العرب على مولى من موالي ابن الأغلب يقال له خلف الخادم، وكانت له أموال عظيمة فأعان القوم بنفسه وماله"(1).
ولا شك أن هذا التدخل ربما زاد من حدة الصراع، ولكن يبقى السبب الأساسي هو صراع البيت الرستمي على الحكم وتنازع أصحاب النفوذ للوثوب على كرسي الحكم، وكان هذا التطلع هذه المرة من أبي اليقظان إلى إمامة تيهرت حيث دفع أخاه أبا بكر لتلك الفتنة، والتي لم يستطع أن يعمل خلالها أي شيء. وقال ابن الصغير: "وبقي الإمام أبو بكر في داره لا يأمر ولا ينهى، وقد تشاءم الناس به"(2) وخرج بعد ذلك من المدينة "لا حيا ولا ميتا"(3).
ولمعرفة مجريات الأمور بصورة أكثر وضوحا لابد من تتبع ورصد القوى المتصارعة وأوضاعها وما نتج عن هذا الصراع. وهذا ابن الصغير(4) المعاصر لتلك الفتنة يسعفنا ببعض المعلومات عن وقائعها فيقول: "وإن العجم والنفوسة والرستميين لما نزل بهم ما نزل تفرقوا في أقاصي البلاد، فنزلت العجم بموضع يقال له تنابغيلت وهي على مرحلتين من مدينة تاهرت، وأما الرستمية ومن لف لفها فلحقوا بأبي اليقظان بالموضع الذي يقال له أسكدال وهو بقبلة تاهرت مسيرة اليوم وأزيد قليلا في مجتمع الإباضية، وأما نفوسة فنزلت بقلعة مانعة يقال لها اليوم قلعة نفوسة"(5).
(1) نفسه، ص 81.
(2) نفسه، ص 81.
(3) نفسه، ص 84- 85.
(4) نفسه، ص 84.
(5) نفسه، ص 84، الباروني، الأزهار، ص 294.