جبل نفوسة وعلاقته بالدولة الرستمية من منتصف القرن الثاني إلى أواخر القرن الثالث الهجري صالح معيوف مفتاح

نفوسة وعلاقته بالرستمية

الجزء ١ · صفحة ٢٦

وفي إشارة أخرى أكثر إيضاحا أوردها البغطوري في (مخطوطه) المشار إليها آنفا تدل على تعايش هذه الأقلية النصرانية في الجبل مع السكان الأصليين رغم أنهم بقوا على نصرانيتهم، حيث كر عملية مصاهرة تمت بين أحد سكان الجبل، وهو من مشايخ المذهب الإباضي وبين أحد النصارى في قصة مفادها: "أن أبا يحي من أهل أزوال صرم عنبه فأرسل على صاحب له نصراني ليأكل العنب فأتاه هو وبناته، فتعجب الشيخ من جمال بناته (أي النصراني) فقال له الشيخ: هل عندكم جمال هكذا؟ فقال النصراني: إن كان بناتي حلالا لكم أزوجك واحدة منهن إن شئت. فقال الشيخ: نعم حلالا لنا نتزوج (أي زواج) المعاهدات منهن، فقال له (أي النصراني): اختر أيتهن شئت، فاختار أم الخطاب مليانه فزوجها له، فأتى بها إلى داره فقال لها: أسلمي أو ارجعي إلى أهلك. فعظم الأمر عليها، وكان عندهم (أي النصارى) الخروج عن الزوج حرام وهو عار… كان التزويج عند النصارى أن لا فرقة إلا بالموت، فلم تجد بدا من الإسلام فأسلمت…"(1).

ومن هنا يتأكد لنا وجود أقلية مسيحية في الجبل دون أن نعرف حجمها السكاني، وضعها الاجتماعي، وكل ما نفهمه أنها كانت متعايشة مع سكانه المسلمين في نفوسة، واستخدم بعض أفرادها كعبيد أو خدم لأهل الجبل. وفي حديث مقرين عن أبي مهاصر _أحد علماء الجبل أشار_ أشار إلى حوار دار بين هذا الأخير وعبد له رومي، قال أبو مهاصر لعبده الرومي: فما الذي بلغ فيكم؟ فقال له يا مولاي فما يبلغ بنا أن تأكلوا القمح ونأكل الشعير، وتلبسوا الكتان ونلبس الصوف(2). إذا الأقلية المسيحية كانت أحد عناصر النسيج الاجتماعي للجبل، ومشاركة أهله في كافة شؤونهم ومن يسلم منهم يصل إلى أعلى مراتب الحكم كما كان مع أبي منصور إلياس حاكم الجبل.

(1) مقرين البغطوري، مخطوط، تاريخ وسير جبل نفوسة، ورقة 183.

(2) البغطوري، مصدر سابق، ورقة 132.

٢٦ / ٢٧٧