نفوسة وعلاقته بالرستمية
الجزء ١ · صفحة ٢٧ونكتفي بهذه الإشارة التي لا تكفي لتأريخ وجود النصرانية بالجبل. ونحن بدورنا نرجع إلى هذا التواجد إلى سببين: إما إلى بقايا النصارى الذين كانوا بالجبل قبل الإسلام، وبقوا على نصرانيتهم، أو إلى ما تسرب من تاهرت من جند الصقالبة الذين استخدمهم الرستميون بشكل كبير، وهذا ما أسلفنا الإشارة إليه.
أما الأقلية اليهودية في الجبل فهناك إشارات مهمة عن وجودهم وبشكل مؤثر في الحياة الاجتماعية لسكانه، وخاصة في مدينة جادو كبرى مدن الجبل، لتميزها بالدور الاقتصادي الذي لعبته في العصور الوسطى.
وفي رواية مقرين البغطوري لسيرة أبي يحي الإرجاني حاكم جبل نفوسة قال: "… وروى أنه ولد عنده صبي فأهدى له يهود جادو أربعين دينارا، فأتوه فوجوه يصرم العنب في فدانه، فقدم إليهم العنب فأكلوا، فقال لهم: ارفعوا ما فضلتم فحملوه، فلما أكلوا استخلوا به، فتكلم واحد منهم قال: هذه أربعون دينارا لخرص ولدك يا شيخ، فقال لهم: لو قدرت أن أصونكم (أحميكم) لأخذت منكم أكثر من ذلك (يعني الجزية)…"(1).
وقد أشرنا سابقا إلى اشتغال اليهود ببعض الحرف مثل الصباغة. ومن هنا نفهم أن الأقلية اليهودية كان لها وجود فاعل في الجبل، وأن الجزية سقطت عنهم بسبب اضطراب الأوضاع السياسية بشكل عام. كما أن البغطوري يذكر أن اليهود قد اشتغلوا بالتجارة، كما يذكر حادث مقاضاة بين مسلم ويهودي أمام قاض مسلم بسبب اختلافهم في بيع السوائم(2).
كما تعاطى اليهود لبعض الصناعات النفيسة مثل الصياغة الحياكة، مما يؤيد حضور الأقلية اليهودية في مختلف الأنشطة الاقتصادية للجبل. وقد جاء في هذا الصدد رواية مقرين البغطوري عن سيرة أبي القاسم البغطوري ما يلي: "فقد أشرفت عليه حين أصابه الضرر، فزاره المشائخ يوما من الأيام وقد تعمموا بعمائم حسنة، وفي أصابعهم خواتم الفيروزج وثياب الطيقان من عمل اليهوديات"(3).
(1) البغطوري، ورقة 153.
(2) البغطوري، ورقة 68.
(3) البغطوري، ورقة 78.