نفوسة وعلاقته بالرستمية
الجزء ١ · صفحة ٢٦٠كما أن هذه الدراسة كشفت النقاب عن مدينة أخرى لها من الأهمية ما لشروس بل تفوقها أحيانا، ونعني بها مدينة جادو التي كانت مركزا اقتصاديا هاما ومحطة للقوافل القادمة من جنوب الصحراء عبر غدامس مرورا بمحطات درج وسيناون وهي الأخرى كان لها دور مهم على طريق جادو غدامس_ تادمكة، وفي الوقت نفسه ربطت جادوا بطرابلس والخطوط التجارية الساحلية على البحر الأبيض الأمر الذي ميزها كمركز اقتصادي في جبل نفوسة. إضافة إلى ذلك ارتبط جبل نفوسة بالواحات الليبية في الجنوب، ومن أهم مراكزها مدينة زويلة في جنوب الصحراء الليبية وهي بوابة أساسية نحو دول جنوب الصحراء وشمالا نحو مصر والساحل الليبي والمغرب الإسلامي.
إضافة إلى هذه النتائج التي أشار إليها البحث هناك الدور الثقافي الذي تميز به الجبل في مراحل نشاطه المبكرة بداية من دخول الإسلام للمنطقة وانتشار حركة التعريب والتبحر في علوم الإسلام، وقد تميزت أغلب مدن الجبل بهذا النشاط العلمي والثقافي، ومن أهمها أجناون والتي تعد من المدن الصغيرة في الجبل ولكنها استقطبت العديد من العلماء والفقهاء في الدين والمنطق مما حدا بأئمة الدولة الرستمية لطلب المساعدة الفقهية والفكرية من علماء الجبل للتصدي لخصومهم من الواصلية وغيرهم من الفرق الأخرى التي كانت تستخدم الجدل كأسلوب للاقتناع، إضافة إلى انتشار اللغة الكانمية في الجبل، وهي إحدى لغات دول جنوب الصحراء، فنجد أن أحد ولاة الجبل يتحدث بتلك اللغة مما بين مدى الارتباط الثقافي المبكر الذي تم بين جبل نفوسة ودول جنوب الصحراء، بموازاة مع التواصل الاقتصادي والديني الذي ساهم الجبل في انتشاره بين تلك الدول، مما برهن على أن الصحراء لم تكن عائقا للتواصل الثقافي والاقتصادي بين بلاد المغرب الإسلامي ودول جنوب الصحراء، بل كانت هناك روابط قوية جمعت بين ضفتي الصحراء شمالها وجنوبها.