نفوسة وعلاقته بالرستمية
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥وكان من أوائل قادة هذه المعارضة خلف بن السمح بن الخطاب الذي كان والده واليا على الجبل من قبل الإمام عبد الوهاب بعد أن كان وزيرا له، وسميت هذه المعارضة بالحركة الخلفية نسبة إلى مؤسسها، وكان ذلك بعد وفاة السمح، عندما قام أهل الجبل بتعيين خلف مكان أبيه، الأمر الذي رفضه عبد الوهاب وقام بإلغائه، مما نتج عنه توتر شديد في العلاقة بين الجبل وتيهرت، ومن تداعيات ذلك بروز حكومتين أو ولايتين في الجبل: إحداهما تابعة لتيهرت وتدار بولاة يتم تعيينهم بالاتفاق مع إمامة تيهرت، والأخرى أعلنت استقلالها بزعامة خلف، وتشمل معظم مدن وقرى جبل نفوسة. واستمرت هذه المعارضة ردحا من الزمن، نتجت عنها انقسامات وحروب بين أهل الجبل أنفسهم، وهذا ما يؤكد أن جبل نفوسة لم يتفق تماما وعلى طول الوقت مع إمامة تيهرت بل يعلن المعارضة ويرفض سياستها عندما لا تنسجم والآراء التي ينادي بها الإباضية أو تعتبر تدخلا في شؤون الجبل الداخلية، الأمر الذي نستخلص منه مدى القوة السياسية التي كان يتمتع بها الجبل، وأن ما يربطه بالدولة الرستمية هو الالتزام بمبادئ حارب الجميع من أجلها، وعند الانحراف عنها أعلن الجبل معارضته السياسية والفكرية دون تردد، مما يوحي بهشاشة تلك العلاقة في أغلب فتراتها، وأن العامل المذهبي الذي كان يجمع الطرفين لم يكن مؤثرا وفاعلا في بعض الأحيان، وتوحي تلك المعارضة بمختلف صورها أن جبل نفوسة لم يكن يمثل دور التابع لإمامة تيهرت التي استمدت قوتها وبقاءها من قوة الجبل واستقراره، ولعل وقعة مانو سنة 283ه/897م(1) التي منيت فيها نفوسة بهزيمة منكرة وخسارة فادحة على أيدي بني الأغلب، حيث استصفت معظم رجال نفوسة وفرسانها، لعلها توحي بمدى الدعم الذي كان يوفره جبل نفوسة للدولة الرستمية، إذ الملاحظ أن أصداء هذه الوقعة ونتائجها المدمرة وصلت إلى تيهرت سريعا، ونتج عنها صراع داخلي بين
(1) أبو زكرياء، كتاب السيرة، هامش 1، ص 150.