نفوسة وعلاقته بالرستمية
الجزء ١ · صفحة ٣٩وإقامة الفينيقيين لهذه المدن الثلاث الكبيرة تشير إلى نقلهم لليبيين نقلة كبرى من حياة التجوال والرعي إلى حياة الاستقرار والزراعة. ويعتقد أنهم أدخلوا إلى منطقة طرابلس زراعة الفواكه مثل الخوخ والتين والبرقوق والكروم والنباتات التي تنتج الحناء والزعفران وبعض الأشجار مثل اللوز والزيتون أيضا، وبذلك بثوا في ليبيا نشاطا زراعيا إلى جانب نشاطهم التجاري(1).
وخلفهم في المنطقة في القرن الخامس ق.م أبناء عمومتهم القرطاجيون الذين وسعوا نشاطهم التجاري والزراعي في طرابلس. وفي عهدهم أخذت تنظم الصلة بين مدن الساحل الطرابلسية (المدن الثلاث) وبين الواحات الداخلية: غدامس وغات وفزان، بل أخذت القوافل التجارية في التوغل في قلب إفريقيا، وتنقل من تلك الأنحاء الرقيق والعاج وريش النعام(2).
وتتوالى الحقب حتى إذا اصطدم القرطاجيون بالرومان، وتمت الغلبة للآخرين، واستولوا على طرابلس ومدنها من أيدي القرطاجيين سنة 146 ق.م. وفي عهدهم زاد ازدهار المدن الطرابلسية الثلاث، وجهوا حملة إلى غدامس وفزان، فاستولت عليهما، وتوسعوا بالنشاط التجاري إلى قلب إفريقيا، وأرسلوا لذلك ثلاث حملات استكشافية: أولاها للتعرف على مناطق طرابلس الجنوبية، الثانية والثالثة لاستكشاف السودان والسودان الغربي(3).
واعتنت روما عناية فائقة بازدهار الزراعية في طرابلس، إذ كانت تعدها مخزنها الضخم من الغلال والزيت وغير ذلك من الطيبات، وهو ما يجعلها تهتم بالقنوات لحمل مياه الأمطار من الجبال، كما كثرت الخزانات والصهاريج والسدود على الوديان لخزن مياه الأمطار وتوزيعها على الزروع، مما جعل القرى والبلدان تكثر في الأنحاء الشمالية من منطقة طرابلس، كما جعل السكان يزدادون بها زيادة كبيرة(4).
(1) نفسه، ص 24.
(2) نفسه، ص 24.
(3) نفسه، ص 24.
(4) نفسه، ص 25.