البحر الفياض لسيرة الشيخ العلامة محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي الرقيشي، محمد بن سالم بن نصير

كتاب البحر الفياض - الشيخ محمد بن سالم الرقيشي

الجزء ١ · صفحة ١٠

البحر الفياض

16

البحر الفياض

17

ولايته على إزكي

-

قام – رحمه الله - في هذه الولاية بتأدية عمله أحسن قيام حيث كان واليا وقاضيا، كما أنه كان لهم الأب والأخ وصاحب الرأي الحكيم من حيث مكانة الشيخ في نفوس أهل بلده وحبه هو لهم، وكان - رحمه الله رغم انشغاله بأمور المسلمين لكن هذا لم يثنه عن أداء واجبه تجاه بلده، فكان يعود مرضاهم و يعطف على فقرائهم، فمن ذلك مثلا: أخبرني رجل أنه كان جالسا يوما تحت ظل شجرة فمر " عليه الشيخ وسلم عليه وقام الرجل لمصافحة الشيخ، فسأله: مالك تقعد هاهنا؟ ألست رجلا فقيرا؟ قال له: نعم، فقال له: إن الله سبحانه وتعالى قد أمرنا بالعمل، فقال الرجل: ليس عندي عمل، قال له الشيخ: قم فاصحبني، فذهب به إلى مكان فاشترى له ثورا واشترى له آلة للحراثة، وقال له: قم فاشتغل الآن والله يبارك في مسعاك، ولا أريد أن أراك ثانية تستظل تحت الأشجار عاطلا عن العمل. فسمع الرجل نصيحة الشيخ وعمل جاهدا حتى بارك الله له في مسعاه، وأخبرني أنه تزوج ورزق بأولاد وبنى بيتا، وكل ذلك من فضل الله وبركات شيخنا المذكور.

(1)

ومثل هذا كثير، فمن ذلك مثلا عندما كان واليا بنخل كان له صاحب بإزكي، فاصطحبه معه إلى نخل، وعينه عسكريا له، وذات يوم كان الشيخ في البرزه، فعاين الشيخ صاحبه يحمل ظرفا من خوص (السعف) وهو ما اعتاد العمانيون أن يضعوا فيه الحلوى، فسكت ولم يقل شيئا، وفي اليوم الثاني راه مرة أخرى يحمل الظرف الذي توضع فيه الحلوى فناداه الشيخ وأخذه بعيدا عن الناس، وقال له: يا هذا جئت معي من إزكي لتكون عسكريا وتأخذ أربعة قروش لتعيل بها أهلك وتستعين بها على زمانك، وأنت رجل متزوج ولك عيال، رأيتك بالأمس تحمل حلوى فسكت ولم أقل شيئا، ورأيتك اليوم جئت بالحلوى مرة أخرى، فهل يا ترى جئت الى نخل لتأكل الحلوى؟ وفي إزكي لك ضيعة أنت مسؤول عنها. فقال له صاحبه شيخي أنا لم أشتر الحلوى، وإنما أحمل هذا الظرف فيه بعض التميرات وقاشع (2) أتعشى به، ففتح الظرف، فلما رآه الشيخ دمعت عيناه ترحما عليه، وأمر له بزيادة قرش في كل شهر، وقال له: طالما أنا هنا فغداؤك وعشاؤك من الحصن.

(1) سعف النخيل. (2) نوع من أنواع سمك السردين.

أنت

وكم للشيخ من مناقب حميدة لأنه رحمه الله - كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله وكان سباقا لقمع الفتن، حتى أنه سُئل – رحمه الله – ذات يوم هناوي أم غافري؟ رأيناك تقاتل الغافريه في نخل ثم رأيناك تقاتل الهناوية في. فأجاب: أنا لست من هؤلاء ولا من هؤلاء، فأسأل الله أن يجعلني ممن عبري يتبعون الحق فأميل معه حيث مال.

ف

ويكفيك شاهدا على ذلك ما قام به في وادي بني رواحه سنة 1374 هجرية في 23 من شعبان (17/ 4 / 1955 م) عندما اقتتل بعضهم بعض، وعظمت الفتنة وكانت حصيلة القتال في مسجد الصوار أكثر من ثلاثة عشر رجلا ما بين قتيل وجريح، ولذلك قال الشاعر سالم بن سليمان البهلاني: ملئوا مسجد الصوار نجيعا ما رعوا فيه حرمة الإسلام بطرة المال هزت الأنفس كبرا اطت بانهدام هنا حصل الشيطان على المجال، فحزب الرجال وحرضهم على القتال، فصار كل حزب بما لديهم فرحون، وكادت أن تكون حربا لا تحمد عقباها لولا رحمة الله. فما أن تلقى الشيخ هذا النبأ المؤلم، هب مسرعا ملبيا داعي الله، مؤديا واجبه الديني، ممتثلا لقوله تعالى زوإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما (1) ومعه نخبة من أهل ازكي يمنا ونزارا، وأرسل الشيخ الخيالة يسبقونهم بالمسير، فما أن وصل عساكر الشيخ على الخيل رأوا تبادل إطلاق النار من البيوت ومن فوق البروج ومن كل مكان، فأخبروهم بمقدم الشيخ الرقيشي، وأنه يطلب منهم إيقاف إطلاق النار، فاستجابوا لذلك فما أن وصل الشيخ، قام باستدعاء أشياخ أهل الوادي والتقى فيهم، فطلب منهم كف الفتنة وإنزال رجالهم من البروج والجبال، فأجابوا دعوته، فحدد لهم موعدا في اليوم الثاني للاجتماع به ليفصل بينهم بحكم كتاب الله وسنة نبيه، فأذعنوا

(1) الآية رقم 9 - سورة الحجرات.