مذكرات أميرة عربية سالمة بنت السيد سعيد بن سلطان

مذكرات أميرة عربية لسالمة بنت سعيد بن سلطان- غير مفهرس

الجزء ١ · صفحة ٢٩٨

عدن خمسة ايام قبل السماح لنا بمواصلة السفر. وما ان فارقنا هذا الميناء الصخري حتى كنا في مهب الرياح الجنوبية الغربية التي يسمونها الرياح الموسمية، وفي نفس المنطقة التي اغرقت الأعاصير فيها قبل اسابيع الباخرة الحربية و اوكستا،، وهبت علينا ربع عاتية لعبت بالسفينة يمنة ويسرة ثم صارت الريح اعصارا قويا مدمرا دام ثلاثة ايام بلياليها رأينا الموت فيها وجها لوجه من شدة الفزع والرهبة شدة آلام الرأس والمعدة وارهاق البدن. فقد كانت سفينتنا خلال هذه الأيام ومن الثلاثة كريشة في مهب الريح، فعلا وعملا لا وصفا وقولا، فكان الاعصار يرفعها إلى أعلى ثم يقذف بها إلى اسفل ثم إلى ذات اليمين أو ذات الشمال ونحن فيها اشباه اموات لا حول لنا ولا قوة تكاد امعاونا ان تتقطع وعقولنا ان تجن وأرواحنا ان تزهق. لا نملك من امرنا شيئاً الا الاستسلام للقدر وانتظار مشيئة الله. واستمر الرزء اياما ثلاثا كانت اطول من دهور فلما طلع علينا اليوم الرابع خفت هذا الاعصار وان ظلت الرياح تلاعب السفينة بين الحين والآخر فتطوح بها يمينا وشمالا ولكن الامر على شدته لا يقاس بالهول الذي شهدناه.

والحمد لله في كل حال على حسن الختام. ففي اليوم الثاني من شهر آب بدت للعيان - ويا للفرحة - سواحل جزيرة بمبا، وهي على بعد ثلاثين ميلا من زنجبار وتقطع الباخرة المسافة بينهما بثلاث ساعات. ولكن حلول الليل حظر دخول الميناء في الظلال لوجود العوارض الرملية مما اضطر سفينتنا ان تقضي ليلتها في نورث كامب شمالي زنجبار.

ولم يغمض لي جفن طول الليل أو يستقر لي جنب فقد فاضت الذكريات و جاشت العواطف وازدحمت النفس بشتى الخواطر والانفعالات. واستيقظ أولادي في اليوم التالي مبكرين وحين خرجنا إلى سطح السفينة كانت السفينة تزحف رويداً رويدا نحو الميناء وكانت اسداف الظلمة تنزاح امام انوار الفجر فتنكشف للعيان اشجار النخيل في الأفق البعيد وكأنها تتلع نحونا باجيادها لترنو الينا او لتحيينا من بعيد وكلما زدنا اقترابا من الشاطئ ظهرت البساتين الكثة الاشجار وتحتها قرى الزنوج مبعثرة هنا وهناك