مذكرات أميرة عربية لسالمة بنت سعيد بن سلطان- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ٢٩٩وقد سلب لبي هذا المنظر الرابع منظر البحر والفجر وارض الوطن العزيز وكان ارق الليل وفيض العاطفة وجيشان الفكر واضطرام الفؤاد قد جعل مني روحا رقيقا شفافا فرحت اتأمل المنظر حتى غبت عن الوجود في تأملات وذكريات فانهالت امام ناظري صور طفولتي وشبابي في هذه الأوطان ثم ما جرى لي بعد ذلك من غرائب الاحداث وصروف الزمان فعجبت لتفاهة الانسان في هذا الكون ولغرابة الصدف في هذه الحياة. فالمرء في هذه الحياة لا يملك من أمر نفسه شيئاً ولا يعرف ما يضمر له الغد من غير واحداث
فهنا ولدت ونشأت عربية مسلمة وفي أعز، دار، ثم حكمت الظروف علي بالهجرة إلى بلاد لم اكن قد سمعت بها او رأيتها من قبل، وها أنا اعود إلى بلادي
نصف مسيحية ونصف المانية ومن غرائب الصدف ان تكون عودتي إلى وطني هذا الاغتراب الطويل في نفس الشهر الذي غادرته فيه قبل تسعة عشرة عاما، ولعل الاغرب ان يتفق هذا اليوم يوم وصولي زنجبار مع نفس اليوم بل ونفس الساعة التي توفي فيها زوجي قبل خمسة عشر عاما.
وقد شهد اولادي ذهولي وانشغال بالي فظلوا ينظرون الي بصمت وتقدير ولم يقطعوا علي حبل افكاري. ولكن عيونهم الذكية اللماعة كانت تفيض حبا وحنانا واني لاحمد الله تعالى ان وهبني هؤلاء الأولاد سلوى وقرة عين بعد ان سلبتني
الحياة اعز ما املك
وكان الميناء يبدو من بعيد وكأنه غابة من الصواري والاشرعة. فقد سبقتنا إلى الوصول اربع قطع من الاسطول الالماني الشرقي والذي تشكل باخرتنا ادلر قطعة منه، ثم هناك باخرتان كبيرتان تابعتان للاسطول البريطاني وخمس سفن
من سفن السلطان وعدد لا يحصى من المراكب الشراعية الصغيرة والكبيره.
ولم يشأ الكومودور باسجن ربان باخرتنا ان يسمح لي بالنزول إلى المدينة وانما اراد أن يعتبرني - على حد قوله - (حمولة سرية، وهي تسمية اثارت التنكيت
-
- 305 -