جزيرة جربة في موكب التاريخ يوسف بن أمحمد الباروني

جزيرة جربة في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

الشيخ أبو عبد الله أمحمد بن يوسف المصعبي

عاش محمد المصعبي في النصف الثاني من القرن الثاني عشر هجريا في جزيرة جربة بحومة الحشان بمنزلهم شرقي الجامع الكبير حفظ القرآن قبل البلوغ حضر دروس والده في مدرسة الجامع الكبير ثم أرسله والده إلى مدرسة الشيخ أحمد بن رمضان التلاتي بمدرسة القصبيين بحومة قلالة ودرس في جامع وادي الزبيب ورث علم والده وأخلاقه وصلاحه وتقواه فشب على الفضيلة واجتهد في طلب العلم معتمدا على نفسه وذكائه مستعينا بوالده في المسائل التي استعصت عليه تفتحت مواهبه وظهر نبوغه وفاق أقرانه جلس للتدريس مبكرا في مدرسة الجامع الكبير يعلم الفقه واللغة والعقائد وعلم الأصول والسيرة والفرائض ويشرح الحديث ويفسر القرآن ويرشد الناس ويؤلف ويصفه الشيخ سالم بن يعقوب في كتابه تاريخ جزيرة جربة (180) يقول:" أبو عبدالله أمحمد المصعبي هو الشيخ العالم التقي الطاهر الزكي أبو عبد الله أمحمد بن يوسف بن محمد الميلكي المصعبي أصلا الجربي مولداً ومسكنا كان قطبا من الأقطاب تدور عليه أمور وقته بجربة وحيد دهره وفريد عصره تولى منصب والده في جميع الأمور من رئاسية مجالس العلم والحكم والتدريس والفتاوى بمدرسة الجامع الكبير كل أهل العصر يشهدون له بالعلم والتبريز فيه مع التقوى والنزاهة والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة."

وفي عهده وقعت وشاية في إباضية جربة لدى باي تونس من بعض الفقهاء المتعصبين القاصري النظر الضيقي التفكير قلبوا الحقيقة لجهلهم بالمذهب الإباضي ولو كلفوا أنفسهم مشقة البحث عن كتب الإباضية في المكتبة الوطنية والخلدونية والعبدلية لعرفوا حقيقة المذهب الإباضي في الأصول والفروع ولكن الجهل المخيم على فئة قليلة منتمية للعلم أعمت بصيرتهم وخلاصة الوشاية هي: أن أهل الجزيرة لا علم لهم وأنهم مخالفون لنا في المذهب وأنهم أهل بدعة يخالفون أهل السنة خالين من والأخلاق.

الآداب

أرسل باي تونس حمودة باشا الحسيني إلى علماء جربة طالبا منهم أن يوفدوا جماعة من أهل العلم ليختبرهم المجلس الشرعي (181). اختار مجلس العزابة بجربة الشيخ أمحمد المصعبي ليكون رئيسا للوفد. سافر الوفد المتركب من ثلاثة علماء لشرح حقيقة المذهب الإباضي ولما وصلوا إلى عاصمة تونس أكرمهم حمودة باشا وفي صباح الغد ركب الباي ومعه جمع من علماء المالكية والحنفية والإباضية وتوجه بهم إلى زاوية سيدي بلحسن الشاذلي وكانت المساحة بين المدينة والزاوية أرض فلاحية فشق الباي تلك المزرعة بخيله وسارت بقية الجماعة تتبعه ولكن الوفد الجربي سلك طريقا متبعا الفواصل حتى لا يفسد الزرع قال أحد الوشاة: "انظر إلى الوفد الجربي لم يسلك طريقك لما اجتمع الباي بجميع العلماء سأل الباي الشيخ أمحمد المصعبي لماذا لم تسلكوا الطريق الذي سارت فيه الجماعة خالفتوني واتخذتم طريقا غير الذي سرت فيه قال الشيخ المصعبي لم نعصك ولكن أشفقنا على الزرع لم نرض أن ندوسه بأقدامنا لقوله عليه الصلاة والسلام: لا يدخل الزرع إلا ثلاثة واقية وساقية وناقية وأنت واقية فعرف الباي حقيقة تورعهم وان القوم يطبقون العلم بالعمل فرجع الباي بالأئمة على الواشي

180) - کتاب تاريخ جزيرة جربة تأليف الشيخ سالم بن يعقوب سنة 1406 هـ / 1986 م تحدث فيه عن بعض علماء المدرسة صفحة 135

(181) - رسالة بن تعاريت ص 109 وتاريخ جزيرة جربة للشيخ سالم بن يعقوب ص 136