جزيرة جربة في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١١٧الشيخ علي بن سعيد الباروني
عاش في العقد الرابع من القرن الثالث عشر هجريا، ولد في جربة بمنطقة الحشان حفظ القرآن في مدرسة الجامع الكبير ثم درس شتى الفنون على والده الشيخ سعيد بن عيسى الباروني فاجتهد في تحصيل العلوم من مكتبة والده ومكتبة المدرسة. فكان يكثر من المطالعة حتى فاق زملاءه وكان الشيخ علي مثالا في الاستقامة منذ شبابه، عفيف اللسان صافي القلب، ذكيا نزيها هذه الصفات أهلته لأن يكون خليفة والده في المدرسة المسورية فأحيا العلوم وكوّن أجيالا رفعوا منار العلم بالجزيرة، جلس للتدريس مبكرا في حياة والده وازدهرت المدرسة في عهده حيث أقبل طلاب العلم من داخل الجزيرة وخارجها يخصص كل يوم درسا في التفسير والحديث للتلاميذ الكبار يحضره عدد من المشائخ كافح الجهل وحارب الرذيلة ونشر الفضيلة في المجتمع الجربي بتفانيه وإخلاصه وكان الشيخ زاهدا ورعا يكتفي من حطام الدنيا، بالقليل فكان مثال الصلاح والتقوى والزهد والعفة. روت لي جدتي (187) عن ورعه قالت التقطت ابنته قليلا من سنابل الشعير من المندرة وأرادت أن تصنع منها أكلة فمنعها والدها وأمرها بإرجاع السنابل إلى مكانها حتى تدرس ويخرج منها الزكاة وكان يخصص دروسا في الليل للعموم بين المغرب والعشاء ودرسا بعد صلاة الصبح يحضره المصلون. كان الشيخ علي تقيا صاحب كرامات ومما يروى عنه أن أحد أيام الخميس جاءه خادمه مسعود شوشان الباروني وأخبره أن الجمل سقط في البئر فلم يهتز ولم يقطع درسه ولم تظهر عليه الحيرة وبعد الانتهاء من الدرس ركب دابته وذهب إلى سانيته فوجد الجمل يسقي على البئر فاستغرب الأمر فأخبر بأن نساء الجهة فزعن ونزل مسعود ورجل آخر إلى البئر وربطوا الجمل وأخرجوه
سليما.
تلاميذه
درس عليه عدد كبير من التلاميذ منهم الشيخ أحمد بن علي الباروني والشيخ يوسف بن علي الباروني والشيخ يونس الباروني والشيخ زكرياء أبو مسور وغيرهم كثير تفرغ الشيخ علي الباروني لتعليم الأمة وتكوين الأجيال ونشر الدين معتمدا على نفسه لا يتقاضى أجرة على التدريس كان خطيب الجمعة بجامع الشيخ بحومة السوق المدينة وبعد صلاة الجمعة يخصص درسا في الوعظ والإرشاد وله عدة رسائل وفتاوى أجاب بها علماء عصره، وهذه رسالة جاءته من مصر كتبها الشيخ عبدالله الباروني وهذا نصها: الحمد لله وحده وصل الله على سيدنا محمد حمدا لمن جعل العلماء أعينا يهتدى بهم في مهام المشكلات ومصابيح يستنير بنورهم في دياجير الظلمات والمعظلات ثم يقول: إن أحسن ما فاهت به ألسنة المشتقين وألطف ما ترنمت به بلابل المتحابين وأعذب ما سالت بوقعه أودية أقلام الكاتبين وأدنى ما فاحت به أزهار أوراق المتخاطبين تحية تفرح بنشرها نسيم الرياحين وتسليات تتصل بأصولها أرواح المتباعدين سيما ما ترنمت حمائم أوتارها وزفت بها عرائس أفكارها إلى بهجة الزمان ونادرة الأوان المتحلي برقائق الفهوم المجتني لرقائق العلوم المستمد لها من معدن بحرها الواسع
187) - فطيمة فقيهة متعلمة أخذت نصيبا من الفقه عن زوجها حتى أصبحت مرجعا للنسوة والدة أمحمد بن يوسف الباروني