جزيرة جربة في موكب التاريخ يوسف بن أمحمد الباروني

جزيرة جربة في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١١٩

الشيخ يوسف بن علي الباروني

ولد الشيخ يوسف بن علي الباروني بجربة في النصف الثاني من القرن الثالث عشر هجريا. حفظ القرآن مبكرا في مدرسة الجامع الكبير. حضر دروس والده في اللغة والفقه والأصول والحديث والفرائض والتاريخ. اجتهد في تحصيل العلوم مستعينا بوالده يطالع ويدرس كل ما وصل إلى يده من كتب حديثة وقديمة ليقضي أكثر وقته في المكتبة يراجع المسائل من أمهات الكتب المفيدة. ساعده ذكاؤه وحافظته القوية وفهمه الجيد وقراءته الواعية على استيعاب العلوم خلف والده الشيخ علي في مدرسة الجامع الكبير فنهض بهذه الرسالة العلمية على أحسن الوجوه وأقبل عليه طلاب العلم من جميع الجهات ينهلون من علمه الفياض كان فصيح اللسان جميل الصوت إذا رتل القرآن سكنت النفوس إلى سماعه كان يؤثر على الناس في خطبته يوم الجمعة فتفيض عيونهم بالدمع وكان يتنقل في مساجد الجزيرة يرشد ويوجه الجماهير المتعطشة إلى المعرفة وكانت له دروس في مدرسة جامع بوليمان بصدغيان وكان خطيبا بجامع الشيخ بحومة السوق كان مفتي الجزيرة يرجع إليه في جميع المسائل الدينية والاجتماعية وكان السيد المطاع عرض عليه تولي منصب القضاء فامتنع وفضّل التعليم. كان عفيفا تقيا متواضعا يرتزق من فلاحته فهي مورد رزقه ومصدر عيشه وكان عفيف النفس عالي الهمة من راه هابه يجلله الوقار جميل الذات والصفات بهي الطلعة طيب الرائحة إذا جلست إليه تغشاك رائحة العطور الزكية كان محبا للطيب نظيف الثياب له جواد يتنقل عليه في أطراف الجزيرة يحضر الولائم والمآتم ويرشد الناس. تولت أسرة بالحاج القضاء والإفتاء في مدينة حومة السوق جربة وكان القاضي والمفتي يتوقفان في عدة أحكام يأتيان إليه مساء الخميس يستفتيانه فيما أشكل عليهما من الأحكام فيعطيهما الحلول فينفذانها في المحكمة وله رسائل عديدة وقصائد حررها بنفسه منها رسالة وجهها إلى أحد القضاة بجربة يشرح فيها عدة أحكام في الفقه.

كانت بيته قبلة الزائرين من العلماء والغرباء يكرم وفادتهم ويحسن إلى الفقراء فكانت مكتبته ناديا يجتمع فيه الطلبة والعلماء للمراجعة والمدارسة ويزوره أعيان البلاد في الأعياد يقدمون له التهاني وكانت له زوجة صالحة ذكية تحضر دروسه في المنزل تحفظ كثيرا من المتون كالنونية والحائية والرائية وكانت فقيهة متعلمة تأتيها نساء القرية بسألنها في مسائل الطهارات والحيض والنفاس وكل ما يتعلق بشؤون المرأة المسلمة وكان لها الفضل في تعليم النساء أحكام الدين فحفظن عليها كثيرا من السور القصار وكانت لها شخصية يهابها الرجال والنساء لفراستها وذكائها قال لها أحد الشيوخ لو واصلت دراستك لكنت أستاذة بارعة. وكان يشرف على ثبوت الهلال في كل شهر فكان أهل الجزيرة يعتمدون عليه في الصيام والإفطار لأن له هيئة من الثقات في أطراف الجزيرة يشاهدون ثبوت الهلال في كل شهر وكان متعففا نزيها يبغض الاستعمار الفرنسي حاولت فرنسا أن تغريه بالمناصب والمال فأعرض عنها وامتنع أن يعمل تحت سلطانها عاش معتمدا على نفسه يدرس ويشتغل بالفلاحة والتجارة عاش عزيزا كريما إلى آخر يوم من حياته توفي رحمه الله في 19 جويلية 1924 م.