جزيرة جربة في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٣٥والدين بقلمه ولسانه كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى سبيل الله على بصيرة من أمره كان الشيخ عبدالله يسجل جميع دروسه وملاحظاته على الكتب التي يدرسها حتى ترك لنا ثروة علمية قيمة تدل على غزارة علمه واتساع إطلاعه على كتب اللغة والفقه كان يتنقل داخل الجزيرة ويلقي دروسا في عدة مساجد لتوعية الجماهير ويحضر دروسه الطلبة باستمرار ويتنقلون معه حيثما حل.
من أبرز تلاميذه العلامة الشيخ محمد بن عمر بن أبي ستة السدويكشي (214) الذي ورث علمه وكفاحه وسيرته يجتمع على الشيخ عبدالله غالب فقهاء الجزيرة في جامع تلاكين وفي هذا المسجد ينعقد مجلس العزابة برئاسته فتعرض عليه جميع القضايا فيحكم بين المتخاصمين بكتاب الله وسنة رسوله وكان مقامه فيهم مقام الإمام وإليه انتهت رئاسة العزابة بجربة هذه السلطة الأدبية اكتسبها من الشعب الذي أحبه وعرف فضله وعلمه وصلاحه وصحة نظرته إلى الأمور وقدرته على حل المشاكل كان العلماء يحضرون دروسه ومجالسه وكان شيخ الحكم بالجزيرة سعيد بن عمر بن جلود المتوفى سنة 1016 هـ /1650 - 1651 م) الذي وصل إلى الحكم عن طريق الرشوة فولوه الحكم كان يجلس في إدارة عمله ينتظر المتخاصمين ولم يأته أحد فاستفسر أتباعه المقربين إليه أليس في البلاد مشاكل؟ أجابه أحد الحاضرين إن جميع سكان الجزيرة يرفعون قضاياهم إلى مجلس العزابة فغضب بن جلود وظن أن التفاف الناس حول الشيخ عبدالله يعد استخفافا بمنصبه فدعى الشيخ السدويكشي إلى مجلسه وسمع منه العلم والحكمة وأظهر له من الاحترام ما يليق بمثله ولكن الوشاة لا يخلو منهم زمان ولا مكان والحسد يملأ قلوبهم فقالوا لابن جلود لقد رفعته فوق مكانه وأصبح هو الوالي ولو شاء أن يدعو الناس إلى عزلك أو قتلك لاستجابوا له عملت الوشاية في صدره فدعاه مرة ثانية وأمره أن ينزع العمامة وان يلبس على رأسه إلا طاقية بيضاء من القماش مثل الأطفال تحقيرا له وتشهيرا له وشاءت إرادة الله أن تكون هذه العقوبة من حاكم جربة سبب تكريم لهذا النوع من اللباس فصار لباس الطاقية البيضاء شعار العزابة وجميع طلبة المعاهد وانتقلت هذه الفكرة من الجزيرة إلى طرابلس ووادي ميزاب فأصبحت الطاقية زيهم الرسمي الموحد (215). كان الشيخ عبد الله لا يعرف الراحة ولا يتوقف عن العمل يدرس ويعقد المجالس ويفض المشاكل ويزور الأسواق يأمر وينهى ويبين الحلال والحرام للناس كان يقسم أوقاته إلى ثلاثة في الصباح للدرس وفي المساء لحل المشاكل والإرشاد وبقية وقته يقضيه في العبادة والمطالعة والتأليف وقد أثمر هذا العمل ثمارا طيبة فتخرج على يده عدد من
العلماء.
ترك السدويكشي ثروة علمية هامة اهتم بكتب الأصحاب فوضع عليها حواشي وشروح مسهبة تارة يحررها بنفسه ومرة يمليها على تلاميذه فكان تلميذه الشيح محمد بن عمر بن أبي ستة المشهور بالمحشي يعتمد عليه في أكثر حواشيه ويقول أبو ستة قال شيخنا عبدالله السدويكشي، ومرة يقول نقلت من خط شيخنا. قال الشيخ سعيد بن تعاريت:"لا تمر به
214) - هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم أبو ستة القصبي السدويكشي المشهور بالمحشي والقصبي نسبة لحومة القصبيين بقلالة ولهم مسجد بقلالة كان ينعقد فيه مجلس الحكم في القرن العاشر هجري
(215) قمت برحلة إلى وادي ميزاب للبحث عن مخطوطات في شهر شوال 1390 هـ الموافق لـ 25 ديسمبر سنة 1970 وشاهدت طلبة معهد الحياة بمدينة القرارة والمعهد الجابري يرتدون هذا الزي وأيضا سكان جبل نفوسة عند زيارتي لهم في 1969 للإطلاع على بعض المخطوطات بمكتبة الشيخ عبد الله الباروني بمدينة كباو ومدينة طرابلس