جزيرة جربة في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٠اجتهاد أبي صالح اليهراسني قال أبو العباس الدرجيني في طبقاته ج 2 ص 353:"أبو صالح بكر بن قاسم اليهراسني رحمه الله أنجب من طالع ودرس وأحد من أحيى ما كان عفي ودرس جبلته طلب الصلاحية والعلم وسمته الاعتصام بالوقار والحلم نوره يلتاج صامتا أو متكلما وبركته ظاهرة متعلما أو معلما، فبهمته انتشرت الخيرات وتلاميذه المفيضون للبركات وكان أحد من يوصف بالاجتهاد والتصميم ولا فرق في الحق عنده بين العدو والحميم.
سفره إلى جبل دمر
سمع أبو صالح اليهراسني أن بعض المبتدعين قد استقروا في جبل (دمر) وانهم ينشرون بدعهم هنالك فاستدعى إليه ولده ويسلان وأمره أن يصحبه في رحلته إليهم على كبر سنه وضعف بدنه وكان جبل دمر وعر المسالك صعب المراقي قال التيجاني في رحلته ص 185: يصف الجبل:"وهو جبل مرتفع في السماء فيه طرق ضيقة لا يسلكها السالك إلا على غرر وقد تدرب أهلها على سلوكها فهم يتنازون فيها تنازي العصم وكذلك غنمهم وإبلهم يسلك البعير منها مسالك لا يستطيع الآدمي سلوكها إلى بالحيلة" فلما بلغ أبو صالح قرية دمر وهي في قمة الجبل قصد رئيس الجبل زيري بن كملين فستقبله بالترحاب وأكرمه ثم تحدث معه الشيخ عن هؤلاء المبتدعة الذين يقودون الناس إلى الانحراف عن دين الله ولامه عن تسامحه وتقصيره فاعتذر (ابن زيري لدى الشيخ بأنه ليس لديه من العلم ما يستطيع إن يقوم به الحجة وهذا العمل من واجب العلماء فأجابه أبو صالح إن الذي منع العلماء من زيارة الجبل هو ضعف أهلها بسبب الجفاف وكثرة الضرائب المتتابعة من الدولة وأن مجيء باء العلماء إلى الجبل يكبدهم نفقات قد لا تتيسر لهم فقال بن زيري) إذا أشفقتم علينا من الناحية المادية فهلا جئتم إلينا وحملتم معكم أزرادكم وقمتم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل ورد البدعة وإحياء السنة بدون إن تحملوا الناس شيئا من النفقات فاعجب الشيخ صالح بجواب ابن زيري واعترف له بالحقيقة. جلس أبو صالح في جبل دمر يعلم الناس وكانت له حلقات عديدة في شتى الفنون وكانت أكبر الحلقات اكتضاضا وأرفعها مستوى الحلقة التي يجلس فيه ابنه ويسلان وابو يخلف النفوسي.
وكان تلميذه أبو يخلف فقيها حاذقا ذكيا كثير الحفظ متقنا لمسائل الطهارات ضابطا لأصولها وفروعها فكان الشيخ أبو صالح يحيل عليه الأسئلة التي ترد في الطهارات والحيض فيجيب تلميذه في حياء وأدب بما عنده من علم ثم يعتذر في تواضع لشيخه معترفا له بالتقصر لا يستبد به الغرور. وعندما كان الشيخ أبو صالح بجبل دمر رفعت إليه قضية وصورتها أن رجلا في جبل دمر يكنس مربدا له بجانب بيته فرمى حجرا وراء الجدار فوقع على رجل فمات فحكم فيها الشيخ بالدية علي عشيرة الرامي. وكان الشيخ كثيرا ما يلجأ إلى التربية العملية يوضح لولده بعض الأحكام بدون أن يشعره بذلك طلب الشيخ من ابنه ويسلان أن يصحبه في رحلته داخل الجزيرة ركب الأب أتانا فارهة وكان ابنه يسير بجانبه فلما كانا ببعض الطريق طلب الأب من ابنه إن يقطع له غصنا من شجرة برية يسوق بها الأتان ففعل فلما ناوله القضيب الجديد رمى بالقديم وقال لابنه هذا هو المال الذي يسميه العلماء المتروك ويحل أخده (136) وفي طريق العودة وجدا شاة على آخر رمق لا يعرفان لمن هي قال لابنه اذبح هذه الشاة فتردد
136) - علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الثالثة الإباضية في تونس ص 101