جزيرة جربة في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨١ويسلان وتحرج فنزل الشيخ وذبح الشاة وقال لولده انتم أهل هذا الزمان لا تصلحون لشيء يريد إن يعرف ولده متى يجب عليه التحرج ومتى يجب عليه القيام بالواجب والمحافظة على أموال المسلمين من الضياع فقد كان أبو صالح شديد العناية بأحوال الناس كثير الحرص على أموالهم شديد التفاهم لمشاكلهم وكان يريد من العالم إن يفهم أسرار الدين فيعرف متى يجب عليه العمل ومتى يجب عليه التوقف.
كان أبو صالح كثير الصلاة فمن عادته بعد صلاة العشاء الإكثار من النوافل وكان يدعو أحد تلاميذه ليقرأ له آيات السجدة التي تضمنها المصحف الشريف فيسجدها واحدة واحدة قبل أن ينام كان عفيف اللسان كثير الأدب جم الحياء لم تسمع منه كلمة شر في حياته الطويلة إلا مرتين سئل في الأولى عن بئر في بستان لغير مالكه هل هي عيب فقال شر العيوب ومرة ثانية عن رجل وكل رجلا إن يزوجه امرأة واحدة فزوجه أربعة نسوة مرة واحدة فقال أبو صالح "بئس" "الوكيل". ويروى عنه تلاميذه انه كان يقول "يأتي على الناس زمان يود الرجل من يأكل طعامه فلا يجده ويود من يستشيره فلا يجده ويود من يرجع إليه في حل المشاكل التي تنزل عليه في أمر دينه فلا يجده لا لقلة الناس بل لقلة العلماء الفضلاء الأتقياء. فمن أدرك ذلك الزمان فليتمسك بما حفظه من دينه وليعض عليه بالنواجد مات الشيخ أبو صالح اليهراسني إثر هجوم المعز بن باديس على جربة سنة 431 هـ وهو من الطبقة الثامنة حسب ترتيب أبي العباس الدرجيني.
زكرياء وأخوه يونس ابناء فصيل بن أبي مسور
علماء
ولد زكرياء وأخوه يونس بحومة الحشان بجربة فاهتم بهما والدهما منذ نعومة أظفارهما فلما بلغا سن الدراسة ادخلهما الكتاب لحفظ القرآن ومبادئ القراءة والكتابة فلما استظهر كل واحد منهما كتاب الله على والدهما ادخلهما إلى حلقات الدروس فتعلما عنه العلوم اللغوية والفقهية والسيرة فلما رأى نجابتهما وإقبالهما على المزيد من طلب العلم أرسلهما إلى تلميذه أبي عبدالله محمد بن بكر قال لهما والدهما أطلبا أبا عبدالله حيث وجدتماه فلازما دروسه حيث كان وكونا معه ولو في شغل الدنيا" وقد سافرت البعثة المسورية لإتمام دراستها خارج الجزيرة وكان السفر شاقا والطريق غير آمنة فلما وصلت الجماعة إلى جبال "تمولسة" سمع بقدومهم يصليتن عم الفقيه أبي الربيع سليمان بن يخلف فعرض عليهم الإقامة عنده فامتنعوا واعتذروا له بأنهم قدموا في مهمة تستوجب السرعة فألح عليهم فأقاموا عنده يوما وليلة فاكرم وفادتهم واستراحوا من عناء السفر ثم استأذنوا منه الرحيل لملاقاة عبدالله محمد بن بكر فلما وصل الوفد مدينة تقيوس (137) وافق أصول الشيخ إلى القرية قادما من مدينة القيروان وقد استكمل ما يفتقر إليه من علم اللسان وهو يريد المسير إلى الشيخ أبي عمران موسى بن زكرياء بتاجديت ليتم عليه دراسة علم الفروع وتاجديت موضع معلوم قبلة أريغ جهة تقرع جنوب الجزائر.
فلما اجتمع الوفد الجربي بأبي عبدالله أعلموه بما جاءوا في طلبه وفارقوا الجزيرة من أجله وأبلغوه بما أوصاهم به فصيل أبي مسور من وضع نظام يحفظ الجماعة من الذوبان والمحافظة على الطريقة. يقول الدرجيني في طبقاته ص 189 يصف زكرياء ويونس: "كان زكرياء ويونس من أفضل أهل زمانهما علما وورعا وخلقا وكرما وكانا قد قرأا على الشيخ أبي عبدالله حتى برعا فلهما أخبار مأثورة في كل فن." ولكل واحد
(137) - تقيوس، دقاش حاليا