جزيرة جربة في موكب التاريخ يوسف بن أمحمد الباروني

جزيرة جربة في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٤

كان الجيطالي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويكافح الأمراض الاجتماعية التي تتسرب إلى الأمة بطرق خفية سمع بوجود الخمر عند رجل في جهة ما فخرج إليه في جمع من الفقهاء والعلماء وأهل الصلاح ليغيروا هذا المنكر ويطلبوا من الرجل المنتهك لحرمة الإسلام أن يكف عن معصية الله ويتوب إليه ولكن عشيرة العاصي غلبتهم قوة القرابة عن أمر الله وساقتهم عصبية الدم إلى معارضة حكم الدين فاعترضوا طريق الشيخ وأصحابه وامتنعوا من تسليم المجرم الذي تجاهر بالمعصية فخرج الشيخ آسفا وعزم على الرحيل ولما تعلق به القوم وطلبوا منه عدم الرحيل قال لهم: "لا أقيم في بلد لا يقام فيه الحد ويمنع فيه المؤمنون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرجع إلى الجزيرة وكان لسفره أثر كبير في النفوس فقد أعلنت القرية براءتها من العاصي وأهله وقطعوا التعامل معه فضاقت بالرجل وأهله الأرض وأعلنوا توبتهم ورجعوا يلتمسون العفو من الجماعة ويطالبون بتنفيذ حكم الله وقبل السفر إلى جربة زار مسقط رأسه يودع أهله وأصدقاءه فوجد العلامة أبا ساكن عامر بن علي الشماخي في المسجد يدرس فجلس الجيطالي إلى صديقه وزميله وبعد انتهاء الدرس جرى بينهما حوار علمي واستمر بهما النقاش العلمي إلى أن صليا الصبح فودع العشيرة ثم سافر إلى جبل غريان ومعه بضائع للتجارة فعرضها للبيع فلم يجد سوقا رابحة وانتقل بها إلى مدينة طرابلس فباعها هناك.

ولما بلغ محمد بن ثابت أمير طرابلس وجود الجيطالي أرسل إليه رسولا وطلب منه أن يحضر إلى دار الإمارة قام الجيطالي بزيارة الأمير فوجد في مجلسه بعض الفقهاء فدارت بينه وبينهم محاورة فوجد معارفهم قاصرة فقال لهم متحدثا بنعمة العلم "هل لكم علم فتخرجوه لنا ثم من الغد جمع الأمير القاضي وبعض العلماء في دار الإمارة فجرت بينهم مناظرة ومحاورة كان الجيطالي يجيب عن أسئلتهم ويوجه إليهم أسئلة حتى أفحمهم وأظهر عجزهم وضعف بضاعتهم العلمية وفاز عليهم بما أفاض الله عليه من العلم والصلاح والتوفيق فازداد حسدهم له وافترى عليه العلماء المقربون من الأمير بما شاءوا فسجنه بقي الجيطالي في السجن إلى أن توسط له فقهاء أبي مسور عند أمير قابس احمد بن مكي لأن الجزيرة كانت تابعة إلى حكمه في عهد السلطان أبي بكر الحفصي 738 هـ أخذ بن مكي مبلغا من المال من فقهاء أبي مسور مقابل ذلك فتشفع ابن مكي عند أمير طرابلس فأطلق سراحه (157) ولما خرج من السجن دعا على مدينة طرابلس فقال سلط الله عليك عدوا لا يخاف ربا ولا يتقي ذنبا فسلط الله عليها نصارى جنوة فاحتلوها سنة 755 هـ بعد موته بقليل.

من

كان الجيطالي ظاهر الكرامات مستجاب الدعاء عاين ذلك منه أهل عصره ونقل الشماخي (158) شيئا من سيرته: "إن الله رجالا لو أقسموا عليه لأبرهم" ولما دخل الجزيرة واستقر بها كتب رسالة لابن مكي يعتذر له ويقول انك لا تستحق ذلك المدح كله فان المال هو الذي أخرجني من السجن وهذا تحفظه رحمة الله عليه أن يكون كذب في شعره حتى لا يكون من الذين قال الله فيهم والشعراء يتبعهم الغاوون الم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون" سورة الشعراء الآيات 224 - 225 - 226. انتقل الجيطالي زائرا إخوانه وأهل دعوته فلما وصل ساحل الجزيرة من جهة جرجيس لم يجد سفينة تنقله إلى جزيرة جربة بقي هو وأصحابه مدة حتى نفد زادهم وأصابهم الجوع وبعد أيام قدمت سفينة فركبوا ونزلوا على آغير فأكرمه بعض فقراء الجهة من بني معقل دعا الشيخ الجيطالي مرسي

157) - مؤنس الأحبة في أخبار جربة ص 91 تأليف محمد أبو راس وتحقيق محمد المرزوقي طبع بتونس 158) - سير الشماخي ص 556 - 557