الإنتاج الإباضي في علم التفسير: من القرن السابع الهجري إلى القرن الرابع عشر (دراسة توثيقية) سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني

الإنتاج الإباضي في علم التفسير

الجزء ١ · صفحة ٥٩

من كتاب الجوهر الشفاف، المنتزع من مغاصات الكشاف في تفسير قوله تعالى: {وَمَا كَانَ المؤمِنُونَ لينفروا كافة) أي وما صح من المؤمنين النفير جميعا، واللام في لينفروا لتأكيد النفي، ومعناه أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير صحيح ولا ممكن، وفيه إشارة إلى أنه لو صح وأمكن ولم يؤد إلى مفسدة لوجب الوجوب النفقة على الكافة والتبصر في الدين، لأن القيام بالتكليف واجب ولا يتم إلا بالتفقه والمعرفة بما حل وحرم، ولأن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة. فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة أي فحين لم يكن نفر الكافة، ولم يكن مصلحة، فهلا نفر من كل فرقة طائفة، أي من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة منهم يكفونهم النفير، ليتفقهوا في الدين) أي ليتكلفوا الفقاهة فيه، ويتجشموا أي يتكلفوا المشاق في أخذها وتحصيلها، جاهدين في طلب العلم. (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم أي وليجعلوا غرضهم في التفقه ومرمى همتهم فيه إنذار قومهم وإرشادهم والنصيحة لهم بالانذار من جهل ما لا يجوز جهله، وإيضاح الحلال من الحرام، وتعليمهم معالم الدين وهدايتهم إلى كل خير، لا ما يقصد المتفقهة في هذا الزمان من الأغراض الخسيسة ويرومونه من المقاصد الركيكة، من التصدر في المجالس، والترؤس والتبسط في البلاد، والتشبه بالظلمة في ملابسهم ومواكبهم، وأبنيتهم، ومنافسة بعضهم بعضا في التباهي بالعلم، والتطاول به على الناس، والتفاخر بزيادة بعضهم على بعض في العلم، وفشو داء الضرائر بينهم حتى إن أحدهم إذا لمح ببصره مدرسة الآخر، أو شرذمة جئرا بين يديه اكتظم غيظا وحدا لمحبته أن يكون هو المتبع، وتهالكه على أنه المرجوع إليه دون الناس كلهم، كأنه لم يشعر أن الواجب عليه أن يحب المؤ منين ما يحب لنفسه، وأن يمثلء قلبه سرورا بوجود من هر مثله أو خير منه يهديه ما خفى عليه، ويسلمه إذا ما خطر العجب بحاله، ومن مجاهدة النفس على إرادة العلو والرياسة القابلة، فما أبعد هز لاء من قوله عز وجل: تِلْكَ الدَّارُ الآخرةُ نَجْعَلُهَا الَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ ولا فساداً). (لعلهم يحذرون) أي إرادة أن يحذروا

فيعملوا عملا صالحا. قال رضي الله عنه: وفي الآية وجه آخر، وهو أن رسول الله

52