التأويل الكلامي عند الإباضية: دراسة وتحليل عبد الله بن علي الطعيمي

التأويل الكلامي عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٢٧

W

لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروى غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات " الرحمن على العرش استوى وإليه يصعد الكلم الطيب " وأقرأ في النفي " ليس كمثله شئ" و لا يحيطون به علما " ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. وقد كانت هذه الأقوال والاعترافات وكثيرا غيرها، عاملا هاما من عوامل الشك في قيمة علم الكلام، ومؤيدا لموقف السلف منه وذمهم للمشتغلين به.

وقد قيل إن السلف إنما ذموا الكلام لاستخدام المتكلمين مصطلحات وعبارات غير إسلامية، وقد رد ابن تيمية هذا الزعم مشيرا إلى أن مخاطبة أهل كل إصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه - إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة - كمخاطبة العجم: من الروم، والفرس، والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة 30. فهذه المصلحات كالجوهر والعرض والجسم نابعة من الفلسفة اليونانية، ومدلولاتها في هذه الفلسفة لا تعبر عن مدلولات مشابهة لها في الإسلام، فحدث من استخدامها في الفكر الإسلامي من غير تمييز، تشويه للأفكار وخلط في التصورات ونتج عنها أن ألبست المعاني الإسلامية ثوبا ليس لها فأدى هذا إلى تشويش على الناس وتلبيس عليهم، وهنا كان خطأ المتكلمين الذين أخذوا هذه المصطلحات وحاولوا حمل المفاهيم الإسلامية عليها والسلف والأئمة الذين ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر والجسم والعرض، تضمن كلامهم ذم من يدخل المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين وفي دلائله، وفي مسائله نفيا وإثباتا

6

فأما إذا عرفت المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة، وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ ليتبين ما وافق الحق من معاني هؤلاء، وما خالفه، فهذا عظيم المنفعة، وهو الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالى: " كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه" وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم، وذلك يحتاج إلى معرفة معاني الكتاب والسنة، ومعرفة بيان هؤلاء بألفاظهم ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف

36

- TV-

ابن تيميه: الفتاوى، ج 3، ص 306 المرجع السابق، نفس المجلد، ص 308

35

36