الجالية العمانية في بلاد الهند خلال العصر الإسلامي: قراءة تحليلية إبراهيم القادري بوتشيش

الجالية العمانية في بلاد الهند

الجزء ١ · صفحة ٣

بيد أن اهتمامنا سينصب في هذه الدراسة على الجالية العمانية في بلاد الهند خلال الحقبة الممتدة من

مطلع الفتوحات الإسلامية حتى أواخر القرن الرابع الهجري. وقد ضمت هذه الجالية فئات متنوعة من التجار والعلماء والقضاة والدعاة والخطباء، فضلا عن بعض القادة والجنود الذين استقروا بها مع عائلاتهم بعد انتهاء الفتوحات الإسلامية. ولعبت كل هذه الفئات أدوارا مركزية في مجال المعرفة والاقتصاد والعمران ونشر الإسلام

وثقافة السلم.

ورغم أهمية الموضوع، فإننا لا نزال نفتقر إلى دراسات شافية تسبر غوره وتفك شفراته، وتلقي الضوء على الجوانب المعتمة فيه، وإن كانت أقلام بعض الباحثين حاولت إلقاء حجر في هذه البركة الآسنة، لكنها سقطت في مزالق الدراسات العامة التي نتج عنها تعميم الأحكام وانعدام الدقة والضبط المنهجي، بسبب عدم معالجة الموضوع معالجة مستقلة ومتخصصة.

والواقع أن عزوف الباحثين عن تناول الموضوع له ما يبرره، فدراسة الجالية العمانية ببلاد الهند في العصر الإسلامي الوسيط حقل تعز نصوصه وتندر وثائقه، إذ لا نكاد نعثر في ثنايا المصادر التاريخية سوى على نصوص متناثرة وتلميحات باهتة، يغلب عليها طابع الاختزال، وتعتريها المحدودية والابتسار، مما لا يسمح بتعميق معول البحث والكشف عما تختزنه ذاكرة التاريخ العماني من حقائق حشرت في غياهب النسيان.

صحيح

أن بإمكان الباحث تطعيم هذا الفقر المهول الذي يعتمل الحوليات التاريخية بما ورد من إيماءات غنية وشذرات قيمة في كتب البلدان والرحلات، خاصة بعض الرحالة الذين زاروا بلاد الهند والتقوا ببعض أفراد الجالية العمانية، فضلا عن إمكانية استغلال المتون النصية الواردة في القصص الشعبي البحري. ومع ذلك لسنا على يقين بأن هذا التعويض من متون الأدب الجغرافي يسمح بملء كل البياضات التي تعتري الموضوع. لذلك نقترح حلا 6666 منهجيا لسد هذه الثغرة النصية والإمساك بخيوطها الغامضة، ويتمثل في توسيع دائرة قراءة تاريخ الجالية العمانية ببلاد الهند وفق تحليل نسقي واختطاط شمولي يستند إلى وحدة حضارات وثقافات شعوب المحيط الهندي رغم خصوصية هوياتها وتنوعها الحضاري، لنستنبط من هذا "العام" الحضاري ما هو "خاص" بعمان، وتوسيع دائرة الفضاء المكاني أحيانا ليشمل شبه القارة الهندية برمتها، ثم الارتكاز على الواضح المكشوف للإفصاح عن المبهم والمغيب المختفي وراء سطور الروايات، مع الاستناد إلى نسق المنطق الاستنباطي لتأويل ما لم يرد به نص صريح، والاعتماد أحيانا على نصوص متأخرة زمنيا كروايات ابن بطوطة التي تفيد في رصد جذور الجالية العمانية واستمراريتها، وهي إجراءات منهجية يفرضها بناء البحث بناء علميا متكاملا.

أما الأسئلة الكبرى التي تتمحور حولها الدراسة، فهي:

1 - ما هي المقاربات التي يمكن من خلالها تفسير الانجذاب العماني نحو بلاد الهند التي أصبحت فضاء جغرافيا مفضلا لاستيطان الجالية العمانية؟

2 - ما هي مكونات الجالية العمانية ببلاد الهند؟ وكيف كانت أوضاعها وتنظيماتها؟ وكيف استقرت واندمجت وتعايشت مع الشعوب الهندية؟

6