الجالية العمانية في بلاد الهند خلال العصر الإسلامي: قراءة تحليلية إبراهيم القادري بوتشيش

الجالية العمانية في بلاد الهند

الجزء ١ · صفحة ٤

-

إلى أي مدى تركت الجالية العمانية بالهند بصمات واضحة في نسيج المجتمع الهندي ونجحت في إفراز معطيات حوار حضاري عماني - هندي مشترك؟

تلك هي الإشكالية وأسئلتها المركزية التي يروم البحث إثارتها والإجابة عنها حسب ما تسمح به المادة

المتاحة والمنهج المقترح.

1 - مقاربات لتفسير الانجذاب العماني نحو بلاد الهند:

-1 - المقاربة المكانية وسلطة التاريخ:

إن " المكان " في الفضاء الجغرافي لا يشكل خيطا موجها لمجمل الأحداث والتقلبات والمسارات التاريخية كما يذهب إلى ذلك " بروديل " ورواد مدرسة الحوليات التاريخية الفرنسية فحسب، بل يعكس أيضا حوارا بين الطبيعة والإمكانيات المتاحة التي يستثمرها الإنسان، فيحولها إلى عامل قوة وإسهام حضاري، وهذا ما ينطبق على عمان. فإذا كانت معظم أراضيها تتميز بطغيان الكثبان الصحراوية أو الجبال القاحلة، وسيادة رمال صحراء الربع الخالي التي تعزلها عن فضاء الجزيرة العربية، فإن هذا العنصر الجغرافي شكل عامل طرد بشري نحو البحر، خاصة نحو الخليج العربي والمحيط الهندي، وهو معطى استثمره العمانيون - بامتياز - للتواصل مع حضارات المحيط الهندي كافة، والحضارة الهندية بصفة خاصة. كما أن الامتداد الساحلي لعمان أهلها لتقوم بهذا الدور التواصلي مع شعوب المنطقة، وحسبنا أن السواحل العمانية التي تشكل أكثر من نصف الساحل الغربي للخليج العربي، ومعظم نصف الساحل الجنوبي، جعلها تحتل مكانا وسطا بين شرق إفريقيا وبلاد الهند و بالمثل، فإن تموقعها في الركن الجنوبي - الشرقي للجزيرة العربية جعلها تتحكم في مدخل الخليج العربي، علما أن هذا الأخير اعتبر على مر العصور معبرا أساسيا للتبادل التجاري بين الشرق والغرب، وممرا يربط بلدان الخليج العربي بحضارات المحيط الهندي. يضاف إلى ميزات هذا الموقع ميزة أخرى لا تقل أهمية، وهو أنه شكل فضاء للجوار الجغرافي بين المنطقتين، إذ أن عمان تعد أقرب دول الخليج إلى بلاد الهند بحرا، ولعل ما زاد في هذا التقارب وجود مسالك بحرية لم يفت الجغرافيين العرب التنويه بها

4

ولما كان خليج عمان يقع على حافة منطقة الرياح الموسمية التي تمثل رئة الملاحة، وكان الساحل العماني أول مرفأ يقابل الداخل للخليج العربي أو الخارج منه، فإن عمان صارت بهذا الموقع الاستراتيجي أكثر البلدان الخليجية قربا وأكثر تأهلا للتواصل مع بلاد الهند

46، 47

رجب عبد الحليم، العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام منذ ظهوره إلى قدوم البرتغاليين، مكتبة العلوم، مسقط 1983، ص 44، يشير القلقشندي إلى أقرب طريق يصل البصرة بالديبل، علما أن البصرة كانت موطنا ومستقرا لأباضية عمان، أنظر: صبح الأعشى في ديوان الإنشا، تح، نبيل خالد الخطيب، بيروت 1987 (ط 1)، دار الكتب العلمية، ج 5، ص 83.