الولاية والبراءة والوقوف
الجزء ١ · صفحة ٢عليهم. يقول عدون جهلان -رحمه الله - ولعل الولاية والبراءة من الأصول التي درسها الإباضية بعمق وانفردت عما سواها من الفرق بالقول بولاية الشخص وبراءة الشخص بحكم الظاهر ولذلك نجد دراسات مستفيضة لفقهاء الإباضية وعلمائها حول هذه المسألة، ففضّلوا القول في شروط الولاية والبراءة ووجوبها وبينوا بشكل دقيق الجهات التي تتم بها كل من الولاية والبراءة الشخصية كما حددوا بدقة من تجب فيه الولاية والبراءة سواء في الجملة أو في الشخص، وتجدر الإشارة إلى أن اهتمام الإباضية بهذا الجانب لم ينحصر في نطاق الاجتهاد الفقهي والنظر العقلي فحسب وإنما تعداه إلى الميدان العملي والتطبيق الفعلي فتجسدت هذه الآراء والأحكام في واقع الحياة اليومية داخل المجتمعات الإباضية). فمن حيث معاملة مثل هؤلاء العصاة فيقول الشيخ بيوض: إذا بلغنا عن شخص ما معصية ولكنها خاصة بنفسه ليس فيها ضرر للمجتمع ولا هتك للحرمات جهارا بحيث لم ينزع جلباب الحياء عن نفسه فإن مثل هذا يترك لا يعلن عنه البراءة ما لم يجاهر بمعصيته، ففي الناس عصاة كثيرون نعاملهم معاملة دنيوية بالبيع والشراء والأخذ والعطاء ونعتقد بالقلب أنهم عصاة ونترك أمرهم إلى الله. أما إذا كان العاصي قد جاهر بمعصيته بحيث تحدث ضررا في الناس فهذا يجب إعلان البراءة منه في المساجد وهنا يدخل الاعتبار الاجتماعي للمحافظة على المجتمع فلو علمنا -مثلا- أن إنسانا يشرب الخمر في بيته أو في حانة ولم تظهر منه عربدة في الطرقات سكتنا عنه ولا تعلن براءته على رؤوس الملأ غير أننا نبغضه في قلوبنا لأنه عاص الله، ولكنه إذا مر في شارع وهو معربد يسب الله وينطق بالهجر أو يكشف عن عورته فهنا يجب إعلان البراءة منه في المساجد وفي مجتمعات المسلمين حتى يقاطع تمام المقاطعة حفاظا على سلامة المجتمع، وقل مثل هذا في السرقة والزنى وسائر الفواحش).
كبير
التطبيق العملي لمبدأ الولاية والبراءة
يقول الشيخ علي يحي معمر: (إن المجتمع الإسلامي أنظف من أن تقع فيه المعصية من مسلم ثم يسكتون عنه فيدعونه فيهم محبوبا قبل أن يبادر إلى التوبة والاستغفار والتكفير، إن كانت المعصية مما يتحلل منه بالتكفير، فليس من الحق أبدا أن نتغاضى عن أولئك الذين يرتكبون المعاصي ونضعهم في صف واحد مع المؤمنين الموفين، بل يجب أن نزجر العاصي عن معصيته وأن لا نساوي بينه وبين الموفي، وأن لا نعطيه من المحبة وطلب المغفرة وحسن التعامل ما
نعطيه للذي يراقب الله في الخفاء والعلانية ويرجع إليه في كل كبيرة وصغيرة، ويقف عند حدوده لا يتخطاها). وقد مارس الإباضية تطبيق هذه المبادئ عمليا فسجلت كتب التاريخ عند الإباضية البراءة من العصاة - علنا في المساجد - بعد نصحهم وإرشادهم فلا يتعامل معهم بقية المسلمين حتى يتوبوا. فعندما يثبت على شخص ما ارتکاب معصية تعلن منه البراءة حتى يتوب، ويتبع ذلك كإجراء تأديبي، هجرانه، أي مقاطعته اجتماعيا فلا يتعامل معه أحد، فلا يكلم ولا يحضر جماعة، ولا يؤاكل ولا يجالس. فيجد نفسه معزولا عن المجتمع فيضطر إلى التوبة لتعود إليه مكانته، وعندها يستطيع أن يعيش بين المسلمين كواحد منهم. وأخف.
من حكم البراءة ما سمي بالخطة والهجران الذي عمل به العزابة في المغرب وهما يطبقان على كل من يخالف العرف العام للبلد أو الاتفاقات المعمول بها تحت رعاية العزابة، أو مخالفة السلوك المتبع في قضية من القضايا وبهذه الاعتبارات فإن الهجران قد نال كثيرا حتى من كبار العلماء. كان من نتيجة تطبيق نظام الولاية والبراءة أن الإباضية استطاعوا حفظ مجتمعاتهم من البدع والخرافات التي تجدها عند غيرهم فلم تدخل الصوفية أو الزندقة أو البدع المتعلقة بالشرك إلى المجتمعات الإباضية التي تم فيها تطبيق مبدأ الولاية والبراءة الشخصيتين وبذلك كانت المجتمعات الإباضية من أكثر الفرق تمسكا بآداب الدين والتزاما بتعاليم الإسلام، وتورعا عن الشبهات بهذا يشهد تاريخ الإباضية وبهذا يشهد كل من عاشرهم أو عاش بينهم. ورغم أن هذا النظام قد اندثر بعد دخول الاستعمار إلى بلاد المسلمين ومحاولته القضاء على كل ما يمت إلى الإسلام، بصلة إلا أن آثار تطبيق هذا النظام لا زالت قائمة. فالإباضية على وجه العموم لا أكثر المسلمين تمسكا بآداب الإسلام وتعاليمه وأكثرهم ابتعادا عن المعاصي والشبهات، بذلك تشهد كتب
زالوا من
السير عند الإباضية كما يشهد بذلك كل من عاش بينهم وعرفهم عن قرب.
ولو أن المجتمعات الإسلامية سواء كانت دولا أو قبائل أو جماعات أو عائلات أخذت بهذا النظام بعد تعديله بما يتناسب مع واقع العصر لاستطاعت أن تحل كثيرا من المشاكل التي نراها في كثير من الدول الإسلامية، ومنها مشاكل الشباب على اختلاف أنواعها من التدخين والمخدرات وعدم الاهتمام بالصلاة والتشبه بالأجانب إلى غير ذلك مما هو معروف
للجميع. المراجع
(1) سمر أسرة مسلمة - علي يحي معمر -- (2) الفكر السياسي عند الإباضية، عدون جهلان - (3) فتاوى الشيخ بيوض (4) قواعد الإسلام، إسماعيل الجيطالي (5) - الإباضية في موكب التاريخ، علي يحي معمر
مطويات الاستقامة - إعداد قسم البحث العلمي لموقع الاستقامة
http://matwiyat.istiqama.net matwiyat@istiqama.net
الدال على الخير كفاعله - لا تجعل هذه المطوية تتوقف عندك. إقرأ، أنسخ، وزع
ساهم في إعداد أو توزيع المطويات - لمزيد من المعلومات - يرجي زيارة موقعنا