دراسات شمال إفريقيةi
الجزء ١ · صفحة ٨٢الشرقي لتونس(1)، إضافة إلى طرابلس كلها باستثناء المدينة نفسها(2).
وهكذا يلاحظ أن مناطق نفوذ الإمامة الرستمية كانت تحيط بدولة الأغالبة من جميع الجهات. لذا أصبح نفوذ هذه الأخيرة خلال الربع الأول من القرن الثالث الهجري محصوراً في شمال تونس والجزائر فقط. ولم يتأتّى للأغالبة كسر طوق الحصار الرستمي، واحتلال جزء من الشريط الإباضي الذي كان يربط بين طرابلس وتيهرت، وخاصة مقاطعات قفصة، والساحل وبلاد الجريد، إلا في سنة (224هـ/788-789م)، على إثر الحملة التي قام بها قائد الأغالبة عيسى بن ريعان الأزدي. فابن عذاري الذي نقل هذا الخبر، لم يذكر مع ذلك أي شيء عن المذاهب التي اعتنقها الأمازيغ بجنوب تونس، واكتفى بالقول أنها تنتمي إلى قبائل: لواتة، وزواغة ومكناسة(3).
وقد أفضت المعركة الواقعة في المنطقة الممتدة بين قفصة وقسطيلية إلى البطش بالقبائل المذكورة، وهذا ما وضع حداً للسيطرة الرستمية على جنوب تونس، كما أدى فضلاً عن ذلك إلى انتشار منطقة نفوذ الإباضية المتراصة إلى جزئين متباعدين.
وجدير بالذكر أن الوحدة الدينية والسياسية لإباضية شمال إفريقيا قد تحطمت منذ وقت مبكر بسبب الانشقاقات والخلافات، التي أفضت إلى انبثاق عدد من الفرق ذات الطابع السياسي والديني. ونعتقد أن من أسباب هذا الانفصام، تلك الأزمات السياسية التي تتخذ دائما نزعات انفصالية داخل نظام (منظومة) لاهوتية، كما هو الحال بالنسبة للإباضية.
ومن أهم البواعث السياسية للخلاف داخل المذهب الإباضي، نجد باعثين لهما أهمية خاصة: قضية تكفير الحارث وعبد الجبار، وفيما بعد مسألة الشرط (الشروط المفروضة على الإمام).
(1) - الوسياني، ص33-34؛ [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص122؛ الشماخي، ص159-161-196-203؛ ذكر شيوخ، ص597.
(2) - الباروني، ص13-14، أنظر كذلك أسفله في مواضع مختلفة.
(3) - [بروپنصال]، كتاب البيان لإبن عذاري، ج1، ص107.