دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ١٠٠ولو نظرنا إلى أحاديث وأوامر النبي الكريم صلى الله عليه وسلّم، لوجدناها تدلّ على عدم جواز
البيع والشراء في المسجد، ولماكان البيع من المعاملات التي تتأثر بأحوال الناس وزمانهم ومكانهم، كان نهيه صلى الله عليه وسلّم شاملا لكل ما يصدق عليه لفظُ البيع وإن اختلف الزمان والمكان. من ثم نقول إنّ حكم البيع الإلكتروني في المسجد الكراهة لقرينة توجّه النهي إلى الوصف المجاور المنفك (1).
وحكم الكراهة هو المشهورُ عن الفقهاء، قال ابنُ هبيرة الشيباني (ت 560هـ) (2): "واختلفوا في البيع والشراء في المسجد، فمنع صحته وجوازه أحمد، وقال أبو حنيفة: البيع جائز، ويُكره إحضار السلع في المسجد وقت البيع، وينفذ البيع مع ذلك، وأجازه مالك والشافعي مع الكراهة" (?). وجواز أبي حنيفة له عائد في الواقع إلى ما قدمناه من رأيه في مسألة دلالة النهي على الفساد، فإذا كان يُصحح العقد الذي اشتمل على وصف لازم فاسد؛ فإنّه من باب أولى أن يُصحح العقد الذي اشتمل على وصف مجاور فاسد.
وإبطال أحمد بن حنبل له عائد إلى رأيه بالدلالة المطلقة على الفساد، والإطلاق عند أحمد إطلاق مطبق؛ لأنّه يُبطل التصرّفات في كل متعلقاتِ النهي.
(?) لا يُفهم من ذلك أنّ توجّه النهي إلى الوصف المجاور هي قرينة حتميّة تُنزل حكم التصرّف من الحرمة إلى الكراهة؛ لأن بقاء حكم الحُرمة في وطء الحائض - مع توجّه النهي فيه إلى وصف مجاور - عائد إلى طبيعة التصرف وهو عقد النكاح، مع احتمالية وجودِ الأذى، فهذه قرائن قوّت بقاء حكم الحرمة.
(2) يحيى بن هبيرة بن محمد الذهلي الشيباني، أبو المظفر، عون الدين، (و: 499هـ / 1105م- ت: 560هـ / 1165م) من كبار الوزراء في الدولة العبّاسية، عالم بالفقه والأدب من آثاره الإشراف على مذاهب الأشراف،
والإفصاح عن معاني الصحاح. - الزركلي، الأعلام: 175/8.
(?) الشيباني، يحيى بن هبيرة (ت) 560هـ)، اختلافُ الأئمّة العلماء: تح: السيّد يوسف أحمد، دار الكتب العلمية،
بيروت، ط 1، 1423هـ / 2002م، ج 1/ 348.
(90)