دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٥٨وهذا بالنظر إلى رأيهم، ولا يصح الاعتراض بانطباق هذا التساوي في دلالة الفساد على الأقوال الأخرى؛ لأنّ الذين أثبتوا الفساد في تلك الأقوال كما سيأتي - أثبتوه بناءً على قرائن وأحوال، لا مجرد صيغة النهي.
الدليل الرابع: وهو دليل الاعتبار والمناقضة (?)، قال ابن النجار: "أما الاعتبار: فلأن النهي يدلّ على تعلّق مفسدة بالمنهي. عنه، أو بما يلازمه؛ لأنّ الشارع حكيم لا ينهى عن المصالح، وفي القضاء بإفسادِها إعدام لها بأبلغ الطرق، ولأنّ النهي عنها مع ربط الحكم بها يُفضي إلى التناقض في الحكمة؛ لأنّ نصبها سببًا يُمكنُ من التوسل، والنهي يمنع من التوسل، ولأنّ حكمها مقصود الآدمي ومتعلّق غرضه، فتمكينه منه حثّ على تعاطيه، والنهي منع من التعاطي" (2). يرتكز هذا الاستدلال على أمرين: الأول: أنّ النّهي يدلّ على تعلّق مفسدة بالمنهي عنه؛ لأنّ الشارع لا ينهى عن المصالح، وعليه فالنهي عن تلك المفسدة إعدام لها بأبلغ الطرق.
والجواب عنه: أننا نُسلّمُ أنّ النّهي لا يكون إلا لمفسدة بالمنهي عنه، ولا ينكر أنّ المفسدة لو كانت خالصةً بحيث تكون في ذات التصرّف - أنّه يكون باطلا، لكن المفسدة التي تلحق التصرف في غير ذاته يُمكن أن تُدراً دون إبطال كامل للتصرف؛ لأننا سلمنا أنّ المناهي في هذه المسألة هي تصرّفات شرعيّة فلا خلاف أنّ هناك مصالح ارتبطت بها، وما دام أن هناك طريقًا لتحقيق المصالح مع درء المفاسد فالأولى أن يُصار إليه.
(?) ابن النجار، شرح الكوكب المنير: 3/ 88
ويُقصد بالاعتبار: إيرادُ الحكم وفق أمرٍ آخر، وقال الجويني: "هو التقدير،، وهو قريب من القياس في اللغة.
أن حُجّة الخصم مشتملة على تناقض، فيتضح أنّ دليل المناقضة قائمٌ في الواقع على نقض حجّة
والمناقضة تعني الخصم، وهذا يستلزم صحة حجّة المستدل. الجويني، عبدالملك بن عبدالله (ت 478هـ)، الكافية في الجدل تح فوقية حسين محمود، مطبعة عيسى الحلبي، القاهرة، (د. ط)، ????هـ / 1979م، ص 62.
البابي
(?) ابن النجار، شرح الكوكب المنير: ??? وذكره أيضًا ابن قدامة روضة الناظر: 1 / 610. والعلائي، تحقيق
المراد: ص 144.
(or)