دلالة النهي على فساد المنهي عنه
الجزء ١ · صفحة ٥٧نهي
عنه
ء
بالنهي
وقد اعترض على هذا الاستدلال باعتراضات، منها ما ذكره أبو بكر الباقلاني، فقال: "تحتاجون أن ترووا روايةً ظاهرة تقوم الحجة بمثلها عند سائر الأمة أنهم استدلوا على فساد بعض ما، لمجرد النهي عنه، وأنى لكم بذلك، وإن ظهر عن ابن عمر أو غيره استدلال على فسادِ عنه فذلك مذهب وقول له، وليس ظهوره عنه دليل على أنه مذهب الكل ودين لهم" (?). وبمعنى الاعتراض نفسه ذكر الغزالي (2) والسالمي (?). ونقول إنّ هذا الاستدلال مردودٌ؛ إذ إنّ التصريح بأنّ الصحابة ومن بعدهم فهموا الفساد من مجرد صيغة النهي هو دعوى مفتقرة إلى دليل؛ لأنّه لما كانت دلالة الفساد محتملة لأن تكون بظاهر الصيغة (4)، ومحتملة لأن تكون من دليل خارجي، وجب ألا يترجّح أحدهما إلا بدليل.
ابن أحمد (ت 510هـ)، التمهيد في أصول الفقه تح مفيد محمد أبو عمشة، دار المدني، ط1، 1406هـ /
1985م، ج 1/ 372.
(?) الباقلاني، التقريب والإرشاد: 347/2.
(?) الغزالي، المستصفى: ص ???.
- قال: "هذا يصح من بعض الأمة أما من جميع ا الأمة فلا
والمنع أما في الإفساد فلا".
(?) السالمي، طلعة الشمس: 1/ 84.
يصح، ولا حجّةَ في قول البعض، نعم يتمسك به في التحريم
قال: "لا نسلم الإجماع، ومن استدلّ به فهو بانٍ على مذهبه".
(4) قلتُ ظاهر الصيغة؛ لأنّ هذا دليل القائلين بدلالة الفساد اللغوية، والقائلون بدلالة الفساد المعنوية يقولون إن صح فعل الصحابة ومن بعدهم فقولهم كان من باب دلالةِ الالتزام، بمعنى أن فساد المنهي عنه كان لجعل الشارع حكمةً ومقصدًا للنهي لا يتحقق إلا بفساد المنهي عنه.
يقول سيف الدين الآمدي: "أما أنه يدل على الفسادِ من جهة المعنى؛ فذلك لأن النهي طلب ترك الفعل، وهو إما أن يكون المقصود دعا الشارعُ إلى طلب ترك الفعل، أو لا لمقصود، ولا جائز أن يقال إنه لا لمقصود، وإذا بطل أن يكون ذلك لا لمقصود تعين أن يكون المقصود، وإذا كان المقصود فلو صح التصرف وكان سببا لحكمه المطلوب فإما أن يكون مقصود النهي راجحًا على مقصودِ الصحة أو مساويا أو مرجوحًا، ولا جائز أن يكون مرجوحا إذ المرجوح لا يكون مقصودا مطلوبا في نظر العقلاء، والغالب من الشارع إنما هو التقرير لا التغيير، وما لا يكون مقصودًا فلا يرد طلب الترك لأجله، وإلا كان الطلب خليّا عن الحكمة وهو ممتنع، وبمثل ذلك يتبين أنه لا يكون مساويًا، فلم يبق إلا أن يكون راجحًا على مقصودِ الصحة، ويلزم من ذلك امتناع الصحة وامتناع انعقاد التصرف
منه
لإفادة أحكامه، وإلا كان الحكم بالصحة خليا عن حكمة ومقصود".
- الآمدي، الإحكام: ?/ ???، ???، (بتصرف).
(10)