قاعدة القليل عفو في الشرع والعرف
الجزء ١ · صفحة ٣٢المبحث الأول
تأصيل قاعدة "القليل عفو في الشرع والعرف"
المطلب الأول: موقف العلماء من قاعدة القليل عفو في الشرع والعرف
اتفق الفقهاء من مختلف المذاهب الإسلامية على إثبات هذه القاعدة في مختلف الفروع الفقهية، ففي فروع المذهب الإباضي ذكر صاحب المدونة (1) عندما كان يُبينُ مسألة خروج الدم من جسم المصلي وفَصَّل فقال في
قلته
القليل: " وإن كان دماً قليلاً يكون بقدر ما لو اجتمع لم يسل فليتم صلاته ولا ينصرف " (2)؛ وذلك بسبب فلم يترتب عليه أي خروج الدم انتقاض الصلاة. وكذلك حكى ابن بركة الاتفاق في قليل العمل في الصلاة أنه لا يَضُر، حيث قال: "وقد اتفق الجميع على جواز العمل القليل في الصلاة وأكره العمل في الصلاة وإن قلّ لغير الصلاة؛ لأنها عبادة الله تعبّد بها، فلا يشتغل المصلي بغيرها" (3).
وفي المذهب الحنفي قال السرخسي عندما وَضَحَ الفرق بين الوكالة والوصاية عند وقوع التغابن اليسير: " .. فيجعل الغبن اليسير عفوا في حقه [أي الوكيل] بخلاف الوصي .. (4)، وحكى ابن الهمام (5) الإجماع في
بن
تلامذة
مبارك،
(1) بشر بن غانم الخرساني، أبو غانم (ت: أوائل ق 3 هـ): هو الإمام الحافظ الفقيه من أهل خراسان. قدم البصرة لتلقي العلم على يد أيمة علماء الإباضية وخاصة الإمام أبي عبيدة ولم يدرك من حياته إلا قليلا فأخذ أكثر علمه عن تلاميذه من بعده، من آثاره المدونة عن: أبي عبيدة، واختلاف الفتوى ومدونته تعد من أهم مصادر الفقه عند الإباضية. يُنظَر: ابن صالح والشيباني، محمد صالح، سلطان معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1421 هـ / 2006 م، ص 68 (2) الخرساني، بشر بن غانم (ت: ق 3 هـ)، المدونة أبي غانم الخراسني، ت: يحيى النبهاني وإبراهيم العساكر، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، ط 1، 1427 هـ /2006 م، ص 75.
(3) ابن بركة، عبدالله بن محمد السليمي (ت: ق 4)، كتاب الجامع، ت: عيسى يحيى الباروني، وزارة القافة والتراث، مسقط، دط، 1428 هـ /2007 م، ج 1، ص 497.
(4) السرخسي، محمد ط 1، ج 22، ص 58.
أحمد (ت: 490 هـ)، كتاب المبسوط ت: محمد حسن دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1421 هـ/2001 م، بن
(5) محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد، كمال الدين المعروف بابن الهمام (861 هـ): إمام من علماء الحنفية. عارف بأصول الديانات والتفسير والفرائض والفقه والحساب واللغة والموسيقى والمنطق. أصله من سيواس. ولد بالاسكندرية، ونبغ في القاهرة. وأقام بحلب مدة. وتوفي بالقاهرة. من كتبه (فتح القدير في شرح الهداية. يُنْظَرُ: الزركلي، الأعلام، ج 6، ص 255.
-24 -