مفهوم الضر في ضوء القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٧٨عليها، وهذا تفسير الضر الذى أصابه. فلقد ابتلي فعلا بضيق أشد وأقسى من تكاليف الدعوة،
وهو الحبس في بطن الحوت. ولكنه (Y) صبر على ما أصابه وعلم الحكمة في ابتلائه بهذا البلاء،
من
الظالمين
فأظهر توبته إلى الله عزّ وجل، وتضرع إليه، وسبّح الله واستغفره، وأقر بأنه كان لأنفسهم بمخالفة أمر الله وعدم الالتزام بطاعته. هنالك استجاب الله دعائه ونجاه من الغم وشفاه من مرضه، ثم أرسله إلى قومه فعاد إليهم داعيا إلى الله تعالى، وهو أشد عزيمة وأرحب صدرا، فوفقه المولى عز وجل في مهمته (?).
"إن النبي أراد بتصرفه عندما خرج مغاضبا أن يكون في مكان منفتح الأرجاء رحـ الاتساع، بعيدا عن منطقة العذاب، والخزي ظاناً أن بخروجه ذلك يبلغه مراده وينال مقصوده، من الأمن والأمان – وهو مقصود خير لا محالة – فشاء الله سبحانه أن يعلمه ويربيه على أنه ذو القدرة المطلقة، وأنه إن كان فارا من التضييق - باعتبار أن أرض الله سبحانه وتعالى واسعة – فالله سبحانه وتعالى قادر أن يجعله يعيش في مكان لا يؤمن العيش فيه، ولا يتصور الحياة فيه والنجاة منه، مكان فيه ظلمات بعضها فوق بعض، في مكان يعهد مكان عذاب لا مكان رحمة ونجاة، ألا وهو بطن الحوت. فشاء الله سبحانه وتعالى بتربيته له كما هي تربيته لنا -، أن يخبره بأنك متى شئت نفع نفسك بإنقاذها من ضر مكتوب، لن تستطيع، ومتى توقعت الضر من مكان ما، فلن يكون ما لم يأذن به الله، وإنك أردت الفرار من الضيق والعذاب إلا أن الله سبحانه أوقعه فيما يخشاه ليبين له أن من يخالف أوامره سيجد سنة الضر ومن اتبع أوامره سيجد سنة النفع والخير في الدنيا والآخرة (2).
(?) عبدالله ميرغيني، الابتلاء وأثره في حياة المؤمنين كما جاء في القرآن الكريم، رسالة ماجستي دار الاعتصام، ص 194، بتصرف بسيط.
(2) مبارك بن مسلم الشعبني، المنهج القرآني في تربية اليقين بقدرة الله سبحانه وتعالى ودلالاته التربوية، ط 1، ????م، مكتبة الضامري، ص134، بتصرف.
76