مفهوم الضر في ضوء القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٧٧وقال الشيخ أحمد معلقا في هذا الموضوع وأما القول بأن ما وقع له كان عقوبة على
الجرم الذي قارفه فهو مدفوع بأنه ابتلاء من الله تعالى، والله يبتلي يشاء بما يشاء، والأنبياء من
B هم أشد الناس بلاء.
وأما أنه كان مليما: أي ذا لوم، فلا ريب أن كل عاقل يلوم نفسه على ترك ما هو أحسن،
وكم قال النبي 8 لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما فعلت كذا، وهو لا يدل إلا على ملامته لنفسه على ترك مل تبين له أنه أفضل له، ولم تكن في ذلك معصية قط" (1).
والآن سأذكر قصة النبي يونس لا باختصار:
أن الله عزّ وجل أرسله إلى أهل نينوى من أرض الموصل بالعراق، فدعاهم (7) إلى الإيمان
بالله سبحانه وتعالى، وترك عبادة ما سواه من الأصنام التي كانوا عليها عاكفين. وظل يعظهم،
شدة
ويدعوهم إلى التوحيد، ويذكرهم بعاقبة الكفر والعناد والعصيان حتى ضاق بهم ذرعا، من تمردهم واستكبارهم وتكذيبهم بدعوته، وإصرارهم على ما هم عليه من الكفر والإباء عن الإيمان. ولعل الله جل جلاله أراد أن يبتليه بهؤلاء القوم؛ لينظر مدى طاعته لربه، ومدى تحمله وثباته. ولكن يونس (?) شقّ عليه تلكؤ قومه وعدم استجابتهم له، فلم يصبر على تكاليف الدعوة، ومعاناة البلاء والتكذيب والإعراض والأذى. فألقى عبء الرسالة، وذهب مغاضبا لقومه بعد أن وعدهم بعذاب أليم يحل قريبا بساحتهم.
ولقد تعجّل الخروج من بين أظهرهم بغير إذن صريح من الله له. ولعل فعلته هذه كانت خلاف الأولى. فهو (Y) بهذا السبب قد فعل ما يستحق عليه اللوم. ولذلك ابتلاه الله جل وعلا بشدائد وأهوال لم تكن في الحسبان. فقد كانت تربية له وإعداداً لتحمل تكاليف الدعوة والصبر
(1) أحمد بن
حمد الخليلي، برهان الحق، ج11، 204-205.