قراءات في فكر العوتبي الصحاري
الجزء ١ · صفحة ١٤٩(1)
العوتبي بين مدارس التدوين التاريخي
لكتاب الأنساب لسلمة بن مسلم العوتبي أهمية كبرى بين مصادر التاريخ الإسلامي. ذلك أن الدراسات والأخبار التي وردت به قدمته بين صفوف مؤرخي عصره. وكان اهتمام العوتبي بتدوين كتاب للأنساب امتداداً للاهتمامات العربية والإسلامية منذ عصر الخلفاء الراشدين، في الوقت الذي حرص فيه الخليفة عمر بن الخطاب على إنشاء الديوان، مراعياً بذلك الاعتبارات الدينية والقبلية في آن واحد واستمرت عناية المسلمين بهذا العلم في العصر الأموي عندما قامت الخصومات ونشأت الشعوبية (1).
وأصبح علم الأنساب عند المسلمين بمثابة الأعمدة والهيكل العام الذي نسجت معه ومن خلاله الأخبار التاريخية والروايات المتعددة. وارتبط علم التاريخ بهذا الأمر منذ البداية. حيث احتوت كتب الأنساب على العديد من الأخبار، وحيث بدأت كتب الأنساب تقوم بدراسة تاريخ العرب أفقياً ورأسياً معتمدة على الروايات القديمة لتسجيل تاريخ حركة القبائل ورجالها السابقين كما بدأت تعتمد على مخرجات النهضة الثقافية في العصر
الإسلامي.
وأدرك العوتبي أهمية علم الأنساب والتأليف فيه وحث أهل الأدب والعلم على تعلمه ليحفظوا بذلك أنسابهم ويصلوا أرحامهم ويأتوا ما أمروا به، وينتهوا عما نهوا عنه من سوء الفعال وتجنب الأراذل والجهال (2).
ومع شجرة الأنساب العربية التي رسمها العوتبي في كتابه ولدت مادة تاريخية هامة، وأصبح لعالمنا العوتبي قدرة المؤرخ الواعي وأصبحت تلك المادة التاريخية مصدراً هاماً من مصادر التاريخ العماني. ووضعت كتاب الأنساب ضمن أرفف المكتبة التاريخية العربية
والإسلامية.
وقبل الحديث عن منهج العوتبي في كتابة التاريخ والتعامل مع النص التاريخي، كان لابد من التعرض لتطور عملية التدوين التاريخي وكتابة التاريخ حتى القرن الخامس الهجري، في مختلف نواحي العالم الإسلامي، من أجل تحديد مكانة العوتبي كمؤرخ عُماني بين تلك المدارس التاريخية.
(1) سالم، السيد عبد العزيز مناهج البحث في التاريخ الإسلامي والآثار الإسلامية ص 71، الاسكندرية، بدون تاريخ. (2) الأنساب، ص 1، ص 11، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان سنة 1981 م.
184