قراءات في فكر العوتبي الصحاري
الجزء ١ · صفحة ١٥٠فقد بدأت عملية التدوين للعلوم العربية في الإسلام منذ نهاية القرن الأول الهجري لكنها ظهرت بشكل واضح في منتصف القرن الثاني الهجري، خاصة سنة 143 هـ، حينما ظهرت مصنفات هامة مثل موطأ مالك بن أنس في المدينة، ومغازي ابن اسحق ومصنفات الأوزاعي بالشام وسفيان بالكوفة وغير ذلك (1). وكان علم التاريخ من العلوم الإسلامية التي ظهرت ضمن علوم الثقافة الإسلامية منذ البداية (2). وقبل ذلك كانت هناك طرق لحفظ العلم وتبويبه، لكنها ظلت تتطور حتى بلغت أوج أزدهارها في القرنين الثالث والرابع الهجريين.
وبالنسبة للتاريخ فقد مر هو الآخر بمراحل حتى وصل إلى مرحلة متقدمة من التدوين التاريخي في عصر العوتبي. فقد كانت الأخبار والأنساب تروى وكانت تلك المرحلة المبكرة ذات أهمية في تكوين الجمهور التاريخي وشكلت الحاسة التاريخية عند المسلمين بما تكون لديهم من معارف تاريخية. وكان من رواد ملك المرحلة جبير بن مطعم (ت 59 هـ / 679 م) وأبو الجهم بن حذيفة العدوي، وأبو بكر بن الحكم. وقد امتدت تلك المرحلة حتى مطلع القرن الثاني الهجري. وظل التاريخ فيها مرتبطاً بالحديث والسير ثم بدأت مرحلة ثانية في التدوين التاريخي واهتم الأخباريون خلالها بجمع الأخبار من كافة المصادر والجهات وتبيويها تحت عناوين خاصة معينة. وظهر في تلك المرحلة رواد لها من الناحية التاريخية مثل الهيثم بن عدي (سنة) (208 هـ) والواقدي (ت (207 هـ) وأبي عبيدة معمر (ت 211 هـ) ونصر بن مزاحم ت (213 هـ) وقد ألف الأخير كتبا متخصصة في قضايا تاريخية مستقلة مثل الجمل، صفين مقتل الحسين، وغير ذلك (3).
ومنذ تلك المرحلة بدأت عمليات الاستقلال تظهر بين علم الأنساب وبين علم التاريخ فألف محمد بن السائب الكلبي (ت (146 هـ) في أنساب كل قبيلة على حده. وأكمل من بعده ابنه هشام ليكمل هذا العمل. (4). كما كتب على هذا الدرب أيضاً أبو اليقظان النسابة (ت 190 هـ) (5).
وجاءت مرحلة النضج للتدوين التاريخي في القرنين الثالث والرابع الهجريين، على أساس الاهتمام بوحدة التاريخ الإسلامية، ووحدة تاريخ البشرية على أساس أن الإسلام دين يحمل في ذاته فكرة تاريخية عميقة أوضحتها العقيدة الإسلامية في آيات كريمة عدة منها ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وكان الهيثم بن عدي أول من قام بوضع كتاب تاريخ تقل مرتباً أحداثة على أساس السنين محققاً بذلك ثورة في
مس
(4) سترد ترجمة كاملة لهؤلاء في دراستنا لمصادر العوتبي التاريخية.
(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص 26. (2) الذهبي، تذكرة الحفاظ، ص 1، ص 151. (5) ابن النديم، الفهرست، ص 98. (3) مصطفي، شاكر، التاريخ العربي والمؤرخون، ص 97.
150