قراءات في فكر العوتبي الصحاري
الجزء ١ · صفحة ١٦٩الثالث: الاستغراق في تسلسل الأنساب وتجنب تحديد سنوات معينة لشخصياته.
على أن العوتبي تحول إلى مؤرخ ماهر وابتعد عن عملية تسلسل الأنساب حينما اختصر لنا تاريخ عُمان في فترة ظهور الإسلام (1)، فأشار إلى الوجود الفارسي على السواحل في العصر الساساني، وإلى أن ملك عُمان قد انتقل إلى آل الجلندى وأن هناك هدنة مستمرة بين الطرفين العربي والفارسي. وقارن بين موقف أهل عُمان من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وبين رفض الفرس لتلك الدعوة. ودور أهل عُمان في نشر الإسلام منذ البداية (2).
ونظراً لتوفر المادة التاريخية لدى العوتبي فقد أورد لنا عدة نسخ من رسائل الرسول إلى أهل عمان وإلى حكامها هي:
الأولى: إلى الجلندى بن المستكبر.
الثانية: إلى ولديه جيفر وعبد، على أساس أن والدهما الجلندى قد توفي قبل وصول الرسالة إلى عمان.
الثالثة: إلى أهل عُمان لدعوتهم إلى الإسلام.
وهو بالفعل ما يجده الباحث في مكاتيب الرسول صلى الله عليه وسلم حيث تتنوع صيغ رسالة الرسول إلى عمان (3).
بلغت دقة العوتبي في تحديده لحدود عُمان في تلك الفترة الهامة حيث أشار إلى أن جيفر أرسل إلى مهرة والشحر لدعوتهم إلى الإسلام فأسلموا، ثم بعث إلى دبا وما يليها من حدود عُمان الشمالية. لكنه سرعان ما التقط أنفاسه وعاد من جديد يتجه إلى الاستغراق في أنسابه. واستخدم العوتبي تلك الامكانات الهامة في عرضه لأحداث وأسباب ونتائج المعارك والوقائع الحربية التي تعرض لها كتابه، فجاءت في معظمها منسجمة بنسق تاريخي مترابط. في البناء التعبيري واللغوي:
ومن حيث البناء التعبيري واللغوي للكتاب وتأثير ذلك على الناحية التاريخية فإننا لاحظنا أن العوتبي كان يتمتع بثقافة واسعة بسبب اطلاعه على العديد من العلوم والفنون والأخبار في عصره، مكنته في ذلك بيئته ومقدرته، حتى أصبح في التاريخ أمهر من مؤرخ، وفى جوانب اللغة أديباً بارعاً في النحو والصرف والبلاغة والأمثال والشعر، حتى عبارات
(1) انظر الصفحات 258 - إلى 262 من الجزء الثاني.
(2) على أساس أن هناك رجلاً من أهل عُمان يسمى كعب بن برشه الطاحي، قد أسلم وتوجه إلى كسرى ليعرفه الإسلام. بسبب إجادته اللغتين العربية والفارسية
- المصدر نفسه، ص 2، ص 259. (3) نفسه، ص 2، ص 260.
- وانظر الأحمدي، مكاتيب الرسول صلى الله عليه وسلم. طبعة دار صعب، بيروت.
169