قراءات في فكر العوتبي الصحاري مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر العوتبي الصحاري

الجزء ١ · صفحة ١٩٥

(v)

- النقد التاريخي عند العوتبي -

اهتم العوتبي بنقد وتمحيص رواياته وأخباره التاريخية، خاصة وأنه كان يعمل العقل والمنطق لفحص أخباره، كما كان على مكانة كبيرة في الفقة وعلوم الدين، وهي علوم تستخدم العقل والنقد بدرجة كبيرة. وأصبح العوتبي مرتبطاً بالنقد كمنهج علمي في أعماله

وآثاره.

ومن تفحصنا للجانب التاريخي من أنساب العوتبي نلاحظ أنه كان يقوم بعمليات النقد التاريخي من جانبين هما:

الأول: ضبط الوقائع، فلا يتقيد بمصدر معين، بل يقوم بالتحري في النقل من المصادر الأخرى المتوفرة لديه، ولا يكتفي بالنقل الشائع. ويحاول جمع أقرب المصادر إلى

الحدث التاريخي، وإن تعددت المصادر فإنه يوردها، ويربطها بالإسناد إلى مصدرها (1). - الثاني: بالنسبة للأعمال والأحداث التي ربطها برجال أنسابه، فمنها من عمم، ومنها من تقيد، على قدر الرجال، وهو بذلك يعتبر عارفاً بمقادر الرجال ومنازلهم وكان دائم ابراز فضائل أعمال رجاله، ولا يتعقب سقطاتهم ومساوئهم، وحتى القادة والولاة والخلفاء الذين أساءوا إلى وطنه لم يتعرض لحياتهم وسيرتهم بسوء (2). وقد حرص على ذلك في تتبعه لسيرة المهلب، فيقول «ومن كمال عقله أنه لم يحضر في فتنة قط، وكان أكثر وصاياه لأولاده بلزوم الطاعة، ولم يطعن عليه في سب، ولم يسابب أحداً في شبيبته، ولم أحداً في كهولته إلا مرة واحدة فقط» (3) وأورد مصدر هذا الموقف بقوله: «هكذا حكي عن الجاحظ» (4). واعتبر هذه السقطة الوحيدة التي أوردها عنه الجاحظ دليلاً على خلق المهلب، لأن الجاحظ لم يحسب له غيرها رغم معرفة الجاحظ وكثرة علمه بالخبر (5). منهجه النقد التاريخي: ويمكننا أن نحدد منهجه في النقد التاريخي، من خلال رواياته في الأنساب في الأمور التالية: 1 - أن العوتبي كفقيه ونسابة وراوية حتمت عليه مكانته، قبل كل شيء، الأمانة والدقة في نقد الرجال، بحيث لا يرفع الوضيع ولا يضع الرفيع، وإنما لكل منزلة ومقام حسب

يسب

(1) الأنساب، ص 1، ص 192، على سبيل المثال. (2) نفسه، ص 2، ص 144 وما بعدها في تنكيل الأمويين بالمهالبة. (3) نفسه، ص 2، ص 129، 130.

(4) نفسه، ص 2، ص 130.

أعماله.

(ه) نفسه، ص 2، ص 130.

195