قراءات في فكر العوتبي الصحاري
الجزء ١ · صفحة ١٩٦2 - انه التزم بذكر المصدر في الروايات والأخبار التى تحتاج إلى دليل وبرهان خاصة وأنه اعتمد على مصادر ثقة. حيث تعامل مع الأخبار على أنها جزئيات مستقلة تخضع لتصديق العقل أو تكذيبه، وفي حالة تشككه يقارن بغيره من النصوص التي كانت
بين يديه، ويتنقل بينهما بصيغ منها: قيل، قال البعض، ويقال (1)، وفي نسخة، وزعم (2). لم يحاول العوتبي تتبع سقطات الرجال في أخباره، بل كان يتتبع الصفات الأصلية ويكشف عنها بوضوح وبأدلة قاطعة، وكان في ترجمته لسيرة وفضائل حاتم الطائي ملتزماً بالموضوعية وأورد رواية في مجلس لمعاوية بن ابي سفيان تثبت أن حاتم هو أسخى الأحياء والأموات. (3). ثم اعقب ذلك بقوله وأدرك حاتم الإسلام إلا أنه لم يسلم ومات نصرانياً» (4). ولذلك ظل العوتبي يتتبع صفات الشهامة والشجاعة والمروءة وحسن الخلق والورع، وظهرت تلك الجوانب أيضاً في عرضه لسيرة رجل صالح وهو أويس القرني ودلل على ذلك بأحاديث نبوية شريفة (5). كما كان يستدل بفضائل أخرى بأشعار
مأثورة.
وكثيراً ما كان يختصر فضائل رجاله وأعمالهم بكلمات واضحة معبرة مثل قوله «وكان شاعراً فارسا (6) أو «ومن فرسانهم» أو «من شعرائهم». وإذا وردت سقطة لرجل من رجاله يحاول البحث عن السبب لذلك، ففي أخباره عن أحد ملوك التبابعة «قال عبيد كان رجلاً ضعيفاً، لم يغز حتى مات ولم يبعث جيشاً. فأما أهل اليمن فيزعمون أنه كان يتحرج من الدماء» (7).
- أبدى العوتبي تسامحاً في عرضه لأخبار رجاله، فلم تظهر في أخباره جوانب عصبية مذهبية أو اقليمية بل ارتبط بالنظرة الإسلامية الشاملة، رغم اهتمامه بسير رجاله من أهل عُمان. وظهر ذلك بصورة جلية في تعرضه لتلك الجوانب وخوضه فيها، حتى انه التزم بذلك مع الشخصيات التي عاشت في عُمان فساداً مثل أخباره عن الخيار بن سبرة المجاشعي (8)، ومحمد بن بور (1)، وترك العوتبي إصدار التقايم والأحكام للقارئ مكتفياً بالالتزام في عرضه للأخبار وترابطها الأمر الذي يميز العوتبي بصورة واضحة عن معظم مؤرخي عصره.
وقد أخذ العوتبي على نفسه عهداً في بداية كتابه بقوله وأعوذ به أى من الله من
الحمية والعصبية وأخلاق الجاهلية (10).
(1) المصدر السابق، ص 1، ص 32، 33. على سبيل المثال. (2) نفسه، ص 1، ص 22.
نفسه، ص 1، ص 262.
راجع ص 1، ص 285. المصدر السابق، ص 1، ص 197.
نفسه، ص 2، ص 323.
(4) نفسه، ص 1، ص 263.
(6) نفسه، ص 1، ص 286.
(8) نفسه، ص 2، ص 145 وما بعدها. (10) نفسه، ص، ص 13.
196