فعاليات ومناشط حصاد أنشطة المنتدى لعام 1990 م
الجزء ١ · صفحة ٢٠٢وإذا كان قد خصص لي أن أتحدث عن سلوكيات أبي مسلم فإن الكتابة عن سلوكياته أكثر صعوبة. فالمطلع على شعر أبي مسلم يجد السلوك بارزا في مختلف أغراضه بل لعله سمة مميزة لشعره وإذا كان التعريف اللغوي الأقرب إلى كلمة السلوك هو الطريق المستقيم - كما جاء في لسان العرب وغيره من معاجم اللغة - فإن إصرار أبي مسلم على أن يجعل محور أدبه هو الاستقامة تأتي من هذا المعنى. لذلك نجد أن شعره كله - في الغالب - متمحور حول الاستقامة منبثق عنها داع اليها .. هذا عدا شعره السلوكي الصرف الذي تفرع من خلاله إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى أو بالباقيات الصالحات، أو يتوسل من خلاله إلى الله سبحانه وتعالى عن طريق المدائح النبوية
فوطنياته ومدائحه ومراثيه كلها لا تخرج عن إطار هذا النهج المستقيم ولينظر المتأمل ملاحمه الوطنية الأربع المقصورة والنونية والميمية والعينية، ثم لينظر تخميساته لقصائد القطب المجدد الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي ولينظر بعد ذلك مراثيه في العلماء الأجلاء كالامام نور الدين السالمي وقطب الأئمة والشيخ أحمد بن سعيد الخليلي وغيرهم وحتى مدائحه التي وجهها لحكام عصره صاغها بقالب سلوكي رفيع
والعوامل التي جعلته
ينهج
ولنأخذ من كل ذلك بعض الأمثلة لنقف على حقيقة الأمر. أما عن الأسباب هذا النهج فهي بالدرجة الأولى شفافيته الايمانية المنبثقة عن صفاء عقيدته والتي تمكن من خلالها من معرفة الحق سبحانه وتعالى فأوصلته إلى مرتبة الأولياء ويظهر أن هذا لم يأت من فراغ حيث ان شاعرنا لم يكن شاعرا فحسب فهو عالم متبحر في
الأصول والفروع.
وكتابته نثار الجوهر يشهد على ذلك، كما تشهد بذلك جزالة المعنى الملموسة من شعره. والمقترحات النثرية التي نجدها قبل كل قصيدة سلوكية تدل أيضا على أن أبا مسلم لم ينظم هذه القصائد باعتباره شاعرا فحسب، فهو ينظم دون تكلف بل هي حديث عادي له يأتي بتلقائية تامة وفي حال خلوة مع الله
وكان - كما يظهر من فهمنا لتلك المقدمات - يهيئ نفسه بالطهارة والوضوء والتبتل والخشوع والصلاة في سدفة الليل. فتنساب تلك الأبيات على شكل دعاء يناجي بها ربه في تلك اللحظات الروحية الرفيعة تجيش بها عاطفته ويهيم بها وجدانه ويمتلئ بها قلبه وتخفق
بها جوانحه